محمود درويش.. ثنائية الشاعر والسياسي

حمزة مصطفى يكتب لـ عراق اوبزيرفر
محمود درويش.. ثنائية الشاعر والسياسي
محمود درويش الشاعر الفلسطيني الذي غادرنا قبل 15 عاما كان شاعر قضية شغلت ومازالت العرب والعالم. ومع أنه لاينفرد بلقب شاعر المقاومة الفلسطينية حيث هناك عدد آخر من كبار الشعراء ممن زاملوه وجايلوه وفي مقدمتهم ماكان يسميه درويش نفسه “توأم روحه” سميح القاسم. وبالرغم من أن قائمة شعراء المقاومة تتسع لعدد كبير من الشعراء من فلسطين المحتلة لكن كلا من درويش والقاسم شكلا ثنائيا شعريا فريدا من نوعه. مع ذلك فإن درويش خرج عن كل توصيف وتصنيف وكل المعاطف والعباءات بمن في ذلك من تأثر بهم من الشعراء العرب. فلقد نقل القضية الفلسطينية على مستوى القصيدة والفعل السياسي المحايث لها الى آفاق عالمية قلما إستطاع شاعر عربي أو عالمي أن يحتل المكانة التي إحتلها درويش في ثلاثة وجدانات.. الوجدان الفلسطيني, والوجدان العربي, والوجدان العالمي لمن يؤمن بحركات التحرر وحق الشعوب في تقرير المصير. ومع أن هناك من يرى أن محمود درويش كان يحمل عدة متناقضات منها إنه وبالرغم من كونه على رأس شعراء المقاومة ضد الأحتلال الإسرائيلي لبلاده فإنه كان في الوقت نفسه عضوا في الحزب الشيوعي الإسرائيلي “راكاح”.
مع ذلك فإن كونه عضوا في حزب يوصف بأنه “تقدمي” داخل إسرائيل ويؤمن برغم زعمه التقدمية بحق إسرائيل في الوجود كما يؤمن بحق الفلسطيني في تحقيق المصير وإقامة دولته على أرضه في جوار إسرائيل لم تترك تأثيرا كبيرا على مكانة درويش الشعرية والوطنية في الضميرين الفلسطيني والعربي. فالواقع أن درويش بقي مصدر إزعاج للحركة الصهيونية ومن يناصرها في العالم لأنه نال عبر شعره وشعريته إهتماما عالميا كبيرا فاق أي إهتمام آخر يمكن أن يناله شاعر صاحب قضية. فالإسهام في نقل القضية الفلسطينية إبداعيا الى العالم جعلها من وجهة نظر العالم المتابع والمتعاطف موحدة بخلاف مايراه من خلافات وتناقضات بين مختلف الفصائل الفلسطينية.
ولعل المسألة اللافتة في سياق ماكان عليه درويش شاعرا وفاعلا على الصعيد السياسي أيضا هي علاقته مع الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. فعرفات الذي وإن عرف بتقلباته السياسية لكنه كان وبقي حتى اليوم الرمز الأبرز للوجدان الفلسطيني. ولأن كلا من درويش وعرفات حفرا عميقا في هذا الوجدان فإنهما شكلا ثنائيا في أخطر مرحلة من مراحل القضية الفلسطينية وهي المرحلة التي إنتهت بالتسويات بدءا من أوسلوا وما تلاها. ففيما حاول درويش الإبتعاد عن العمل السياسي المباشر والتفرغ لمشروعه الشعري السياسي هو الآخر لكن عرفات أصر أن يشرك درويش في العمل المباشر السياسي والشعري بعد أن طلب منه بإلحاح أن يكون عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. ومع أن درويش لم يستمر طويلا في عضوية هذه اللجنة وتمثيل فلسطين فيها كعضو قيادي لكنه حتى حين إنشغل بمشروعه الشعري بقي معبرا عن المعاناة الفلسطينية كما بقي مخلصا لعرفات في سياق علاقة إنسانية ربطت بينهما بحيث بدت وكإن لا إنفصام لها.
والحق إنه مهما حاول النقاد والدارسون أن يفصلوا بين شعرية محمود درويش على كل مافيها من تحولات وآفاق وحتى متناقضات وبين سياسية محمود درويش حتى قبل علاقته مع عرفات فإنها بقيت صامدة متكاملة. فدرويش حين كتب قصيدته التي لفتت الأنظار اليه والى شعراء المقاومة مبكرا “سجل أن عربي” لم يكن قد تعرف على عرفات بعد. ولم يكن عرفات نفسه يعرف صاحب “العصافير تموت في الجليل” بعد. أما حين نشر قصيدته الهجائية المباشرة للصهاينة “عابرن في كلام عابر” كان هو وعرفات منهمكان في العمل السياسي المباشر هو الآخر. لكن بينما كان درويش لايجد تناقضا بين ماهو سياسي وماهو شعري طالما أن قضيته هي قضية وطن محتل تحتاج الى من يدافع عنها بالسيف والقلم معا, فإن عرفات السياسي والمناضل وإن كان وجد في شعر المقاومة رديفا مهما في العمل السياسي لكنه وجد في محمود درويش حصرا مايمكن أن يمثل الضمير المتصل بين ماهو سياسي وماهو وجداني طالما أن الحرب مفتوحة على كل الجبهات والمستويات.



