
بغداد/ عراق أوبزيرفر
عاد أنبوب تصدير النفط بين العراق وسوريا إلى واجهة النقاش مجدداً، مع زيارة وزير الطاقة السوري محمد بشير إلى بغداد، وطرحه ملف إعادة تفعيل وتأهيل الخط الممتد من كركوك إلى ميناء بانياس السوري، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً حول جدواها الاقتصادية والأمنية، وسط تحذيرات من أنها قد تتحول إلى عبء مالي ضخم على العراق دون مردود يوازي كلفتها.
وبحسب بيان لوزارة النفط العراقية، فقد بحث نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون الطاقة وزير النفط حيان عبد الغني مع نظيره السوري، سبل تشكيل لجنة مشتركة لدراسة حالة الأنبوب، والاستعانة باستشاري دولي لتحديد صلاحيته للعمل، بعد سنوات من تعرضه للتقادم وأعمال تخريب واسعة. كما ناقش الجانبان خيارات التصدير عبر ميناء بانياس أو ميناء طرابلس اللبناني، إلى جانب استئناف التصدير عبر الأنبوب التركي إلى ميناء جيهان.
الأنبوب الذي أُنشئ في خمسينيات القرن الماضي، وتوقف عن العمل في محطات عدة بسبب الخلافات السياسية والعقوبات والحروب، كان في العقود السابقة يمثل أحد المنافذ الاستراتيجية لتصدير النفط العراقي من الشمال إلى الأسواق العالمية. إلا أن بنيته التحتية تعرضت لتدمير شبه كامل خلال الحرب السورية بعد 2011، ما جعله خارج الخدمة بشكل تام.
ماذا عن التكلفة المالية؟
الخبير النفطي حمزة الجواهري حذر في تصريح خاص لـ”عراق أوبزيرفر” من أن المشروع المطروح لإعادة التأهيل “يمثل هدراً للمال العام”، مبيناً أن الخط “قديم ومتهالك منذ عقود، وقد خصصته سوريا منذ عام 1972 لنقل المشتقات النفطية فقط، بعد أن وجدت أنه غير صالح لنقل الخام”. وأشار إلى أن عمر الأنبوب يبلغ 73 عاماً، وهو ما يجعل إعادة تأهيله بلا جدوى، مؤكداً أن “الحل الوحيد هو إنشاء خط جديد بالكامل، وهو ما لا تستطيع سوريا تنفيذه حالياً”.
وأضاف الجواهري أن أي مشروع جديد عبر الأراضي السورية سيتحمل العراق كلفته كاملة، “والتي لن تقل عن 10 مليارات دولار، إضافة إلى أجور النقل للدولة السورية، وكلف التشغيل والمخاطر الأمنية، ليصل سعر تصدير البرميل إلى ما يزيد عن 15 دولاراً عبر بانياس، مقارنة بـ60 سنتاً فقط عبر المنافذ الجنوبية”. وأوضح أن العقد – في حال إبرامه – سيعيد ملكية الخط إلى سوريا بعد 20 سنة، ما يعني أن العراق سيتحمل الاستثمار والمخاطر دون ضمان استدامة العوائد.
ويرى الجواهري أن العراق لا يحتاج فعلياً إلى منافذ جديدة لتصدير النفط، موضحاً أن خط الخليج العربي “يكفي الاحتياجات الحالية والمستقبلية، إذ تبلغ طاقته التصديرية أكثر من 6 ملايين برميل يومياً، مع قدرة إنتاجية جنوبية حالياً عند 5.5 ملايين برميل سترتفع قريباً إلى أكثر من 6 ملايين”. وأضاف أن البنى التحتية في الجنوب ستتيح مرونة كاملة في التصدير خلال الأشهر المقبلة، دون الاعتماد على خطوط تمر عبر دول أخرى.
كما شدد على أن الخليج العربي أثبت خلال أكثر من سبعين عاماً أنه “أكثر المنافذ أماناً واستقراراً”، حيث لم تتأثر الملاحة فيه حتى خلال الحروب الكبرى والأزمات الإقليمية، وهو ما دفع دولاً مثل الكويت وقطر والبحرين للاكتفاء به كممر وحيد لتصدير النفط والغاز، فيما لم تستخدم الإمارات وإيران خطوطها نحو خليج عمان أو بحر العرب إلا بشكل محدود لعدم جدواها الأمنية والاقتصادية.
وتأتي عودة ملف الأنبوب العراقي – السوري في وقت يخطط فيه العراق لتنويع منافذ التصدير بالتوازي مع زيادة الطاقات الإنتاجية، وسط تساؤلات متصاعدة عن الدوافع الحقيقية وراء إحياء مشروع يعتبره مختصون غير مجدٍ اقتصادياً، خاصة في ظل الظروف السياسية والأمنية في سوريا، واحتمال تحوّله إلى عبء طويل الأمد على الموازنة العراقية.




