تحليلاتخاصرئيسية

من الوقود الأحفوري إلى المفاعل النووي: العراق يفتح بوابة التحول التاريخي في قطاع الطاقة بالتعاون مع روسيا

بغداد / عراق اوبزيرفر

في خطوة وُصفت بأنها الأكبر منذ تأسيس وزارة الكهرباء العراقية، تتجه بغداد نحو تبني الطاقة النووية السلمية كأحد الأعمدة المستقبلية لتأمين احتياجات البلاد من الكهرباء، بالتعاون مع روسيا، في مسار استراتيجي جديد قد يعيد رسم خريطة الطاقة الوطنية ويضع العراق على طريق الاكتفاء الذاتي من الطاقة خلال العقد المقبل.

الخبير في شؤون الطاقة، دريد عبد الله، يرى في هذا التحول بداية “مرحلة نوعية” في الفكر الطاقي العراقي، مشيراً إلى أن “توسيع التعاون مع روسيا في مجال مشروعات الطاقة النووية السلمية يمثل تحولا استراتيجيا في بنية قطاع الطاقة الوطني، ويفتح آفاقاً جديدة لتحقيق الاكتفاء الطاقي وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري”.

ويضيف عبد الله في حديثه لـ”عراق أوبزيرفر”، أن “التحرك نحو النووي السلمي لا يعني فقط بناء مفاعلات لتوليد الكهرباء، بل هو مشروع حضاري متكامل يسهم في نقل الخبرات التقنية إلى العراق، وبناء كوادر وطنية قادرة على إدارة وتشغيل المشروعات النووية المستقبلية وفق أعلى معايير السلامة”.

ويكشف عبد الله أن الاتفاقيات المزمع تنفيذها مع الجانب الروسي ستشمل “مشاريع لتوليد الكهرباء بالطاقة النووية، وإنتاج النظائر المشعة للأغراض الطبية والزراعية والصناعية، فضلاً عن تدريب الكوادر العراقية في المؤسسات البحثية الروسية”، موضحاً أن هذه الشراكة تشبه النموذج الهندي الذي بدأ بتطبيقات علمية سلمية متعددة قبل أن يوسع إنتاجه الكهربائي النووي ليغطي حاجات البلاد بالكامل.

ويعتبر الخبير أن “القبول الشعبي للمشروع النووي يرتبط بقدرته على خدمة المواطن مباشرة”، سواء عبر تطوير الزراعة باستخدام الإشعاع المعالج للبذور، أو إنتاج نظائر طبية لعلاج السرطان داخل البلاد، دون الحاجة إلى الاستيراد، وهو ما يمنح المشروع بعداً إنسانياً وتنموياً يتجاوز المفهوم التقني البحت.

من جانبها، أعلنت وزارة الكهرباء العراقية، عن خطة طموحة لإضافة أكثر من 11 ألف ميغاواط للمنظومة الوطنية خلال السنوات المقبلة، في إطار استراتيجية شاملة لتوسيع مزيج الطاقة.

وقال المتحدث باسم الوزارة أحمد موسى، في تصريح للوكالة الرسمية وتابعته “عراق أوبزيرفر”، إن “الخطة الحكومية التي تم إقرارها، تشمل إنشاء محطات استثمارية جديدة في عدة محافظات، فضلاً عن استقدام تقنية (الإجيكلاس) الحديثة في المحطات الحرارية بطاقة إنتاجية تصل إلى 11 ألف ميغاواط، تعمل بالوقود المزدوج وبمزيج من الدورات البسيطة والمركبة، ما يضيف طاقات توليدية متطورة إلى مراكز الحمل”.

ويتابع موسى موضحاً أن “منظومة النقل تشهد تحديثاً مستمراً وفق خارطة فنية متكاملة”، تهدف لتحقيق ترابط شامل بين خطوط النقل في جميع المحافظات، إضافة إلى التحول الذكي في شبكة التوزيع من خلال اعتماد أنظمة الدفع الإلكتروني ونماذج تجارية واقتصادية جديدة، ما يسهم في تحقيق الحوكمة والحد من التداول النقدي وتحسين جباية الإيرادات.

ويشير إلى أن الوزارة بدأت نصب منظومات تبريد حديثة في جميع محطات الإنتاج لرفع كفاءة التشغيل وزيادة القدرة الإنتاجية من دون الحاجة إلى استهلاك وقود إضافي، في وقت تعمل فيه الحكومة على تنويع مصادر الطاقة، من خلال استغلال طاقة الرياح والطاقة الشمسية وتدوير النفايات.

لكن ما يثير الانتباه في الخطة الحكومية، بحسب موسى، هو إدخال بند التعاون مع الجانب الروسي حول إمكانية الاستفادة من الطاقة النووية السلمية مستقبلاً، وهو ما يعكس جدية بغداد في الدخول إلى مرحلة ما بعد النفط.

ويقول المتحدث إن “الأبواب مفتوحة أمام جميع الشركات العالمية والمحلية للاستثمار في قطاع الكهرباء، حيث وفرت الوزارة بيئة استثمارية جاذبة ومستقرة أمنياً، مع نماذج مالية وتجارية مرنة، فضلاً عن الفرص المتاحة في مجالات المحطات الغازية والحرارية والشمسية وتدوير النفايات، وكذلك التحول الذكي والدفع الإلكتروني”.

ويضيف موسى أن “التوجيهات الحكومية واضحة بخصوص دعم القطاع الخاص المحلي والأجنبي، لضمان استدامة المشاريع وتطوير البنية التحتية الكهربائية بما يلبي حاجة المواطنين”.

وبقراءة أوسع، يبدو أن العراق يحاول اليوم كسر حلقة الاعتماد على النفط والغاز التي شكلت لعقود العمود الفقري لاقتصاده ومصدره الوحيد للطاقة. فالتوجه نحو الطاقة النووية السلمية، وإن كان لا يزال في بداياته، يعكس إرادة سياسية واضحة لتبني مزيج طاقي متنوع، يضمن الاستقرار الكهربائي ويقلل الانبعاثات الكربونية.

كما أن التحالف مع روسيا في هذا المجال يمنح العراق فرصة فريدة للاستفادة من خبرة موسكو الطويلة في بناء وتشغيل المفاعلات النووية في آسيا وأفريقيا، خصوصاً في الدول النامية التي واجهت ظروفاً اقتصادية مشابهة. فروسيا تُعد اليوم واحدة من أبرز موردي التكنولوجيا النووية السلمية في العالم، وتمتلك مشاريع قائمة في أكثر من 12 دولة، من بينها مصر وتركيا والهند.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { if (document.querySelector("nojq")) { document.querySelector("nojq").addEventListener("click", function() { console.log("Element clicked!"); }); } });