
بغداد/ عراق أوبزيرفر
فيما يحتفل العالم باليوم الدولي للديمقراطية في الخامس عشر من أيلول/سبتمبر من كل عام، يطرح المشهد العراقي أسئلة معقدة حول تجربة بدأت قبل 23 عاماً مع التغيير السياسي في 2003، وما زالت حتى اليوم تواجه سلسلة من التحديات البنيوية التي أعاقت تحولها إلى نموذج راسخ وفاعل.
واعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا اليوم في قرارها لعام 2007، لتذكير الدول والمجتمعات بأن الديمقراطية ليست هدفاً منجزاً بقدر ما هي عملية مستمرة تتطلب المشاركة الفاعلة، وصون الحقوق، واحترام الحريات.
أما في العراق، فقد ارتبط المسار الديمقراطي منذ نشأته بتجاذبات داخلية وضغوط خارجية جعلت ممارسته في كثير من الأحيان أقرب إلى الشكلية منها إلى المضمون.
وعلى مدى أكثر من عقدين، لم تنقطع الانتخابات الدورية التي جرت في البلاد، لكنها ظلت محاطة بانتقادات حادة، من ضعف المشاركة الشعبية إلى التشكيك في نزاهة النتائج، فضلاً عن هيمنة الأحزاب الكبيرة على العملية السياسية وتحويلها إلى أداة لتقاسم النفوذ والموارد، وهذه الممارسات أفرغت الكثير من المفاهيم الديمقراطية من مضمونها، ورسخت شعوراً عاماً بالخذلان من غياب العدالة والمساواة في التمثيل.
ويشير مراقبون إلى أن حرية التعبير، التي تشكل ركناً أساسياً في أي نظام ديمقراطي، تعرضت بدورها إلى محاولات تقييد وتشويه، سواء عبر العنف ضد الصحفيين والناشطين، أو عبر التشريعات المقترحة التي تهدد فضاء الحرية الإلكترونية والإعلامية.
ومع ذلك، ظل الشارع العراقي في محطات مختلفة – كما في احتجاجات تشرين 2019 – قادراً على فرض صوته ومطالبه، في واحدة من أبرز صور التعبير الشعبي عن رفض احتكار السلطة.
عراقيل وتحديات
بدوره أكد الخبير القانوني علي التميمي في تصريح لـ”عراق أوبزيرفر”، أن “الديمقراطية في العراق منذ 2003 واجهت عراقيل كبيرة، من أبرزها غياب العدالة الانتخابية وضعف استقلالية المؤسسات”.
وأوضح التميمي أن “الدستور العراقي لسنة 2005 نص في أكثر من مادة على الحقوق والحريات، مثل حرية التعبير وحق التظاهر، لكنه ظل في كثير من الأحيان حبراً على ورق بسبب غياب التطبيق العملي وضعف الإرادة السياسية”، مضيفاً أن “المعالجات الحقيقية تكمن في إصلاح النظام الانتخابي، وتفعيل القضاء المستقل، وحماية الحريات العامة باعتبارها ركائز أساسية لأي تحول ديمقراطي”.
وتكشف تجربة العراق أيضاً جانباً آخر من التحديات، يتمثل في استغلال الديمقراطية كغطاء لممارسات المحاصصة الطائفية والسياسية، فبدلاً من أن تكون الانتخابات وسيلة لتجديد النخب وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، تحولت في أحيان كثيرة إلى ساحة لتكريس الانقسام، واستنساخ نفس الطبقة الحاكمة، وتفاقم ظاهرة المال السياسي.
وإلى جانب ذلك، لعبت التدخلات الخارجية دوراً مؤثراً في مسار الديمقراطية العراقية، سواء من خلال الضغوط الأميركية أو النفوذ الإيراني أو الصراعات الإقليمية، وهو ما جعل القرار الوطني في كثير من المرات أسيراً لتوازنات خارجية أكثر منه استجابة لإرادة الناخبين.
وورغم هذه الصورة المثقلة بالمعوقات، يظل الاحتفال باليوم العالمي للديمقراطية فرصة لتسليط الضوء على الحاجة إلى مراجعة شاملة للتجربة العراقية، فالدرس الأبرز من السنوات الماضية أن الديمقراطية لا تتحقق فقط بوجود صناديق اقتراع، بل بتكريس العدالة، وتكافؤ الفرص، واحترام سيادة القانون، وضمان مشاركة حقيقية للشعب في صياغة مستقبل بلده.



