
بغداد / عراق اوبزيرفر
في خطوة جديدة تعكس تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شبكة تتألف من ثمانية أفراد وكيانات بتهمة دعم الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس، إضافة إلى كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق، وهما جماعتان تصنفهما واشنطن كمنظمتين إرهابيتين أجنبيتين.
العقوبات، التي أعلنتها وزارة الخزانة الأميركية، تأتي ضمن مسار متصاعد من الضغوط الاقتصادية والسياسية على الجماعات الموالية لإيران في العراق، والتي تُتهم وفق الرؤية الأميركية بأنها تسهّل تهريب النفط الإيراني واستغلال موارد البلاد لتمويل أنشطة تصفها واشنطن بـ”الخبيثة والمزعزعة للاستقرار”. ووفق البيان الأميركي، فإن هذه الخطوة تهدف إلى “حماية الاقتصاد العراقي من الفساد والتغلغل الإيراني”.
تكرار للنهج الأميركي القديم
العقوبات الجديدة لا تبدو معزولة عن سياق أوسع من الإجراءات الأميركية المتكررة ضد وكلاء إيران في العراق والمنطقة. فخلال الأشهر الماضية، استهدفت واشنطن كيانات وأفرادًا اتهمتهم بتهريب النفط الإيراني وبيعه على أنه نفط عراقي، كما صنّفت أربع جماعات عراقية أخرى كمنظمات إرهابية في أيلول الماضي.
ويرى مراقبون أن هذه العقوبات تمثل محاولة مزدوجة: من جهة، هي رسالة ضغط على إيران في ظل استمرارها بدعم الفصائل العراقية المسلحة، ومن جهة أخرى، هي وسيلة للضغط على حكومة بغداد لتتبنّى موقفًا أكثر وضوحًا في ضبط أنشطة تلك الجماعات.
الأثر السياسي داخل العراق
المحلل السياسي مجاشع التميمي قال في حديث لـ”عراق أوبزيرفر” إن العقوبات الأميركية الأخيرة “ستترك أثرًا سياسيًا مباشرًا في العراق مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية المقبلة”، موضحًا أن تلك العقوبات “تضعف قدرة القوى الموالية لإيران على التمويل والحشد الانتخابي، لكنها في الوقت ذاته قد تمنحها فرصة لاستثمار الخطاب المعادي لأميركا لكسب التعاطف الشعبي”.
ويضيف التميمي أن حكومة محمد شياع السوداني ستواجه “اختبارًا بالغ الدقة”، فهي مطالبة من جهة بالالتزام بالقرارات الدولية وعدم تعريض المصارف والمؤسسات العراقية لمخاطر مالية، ومن جهة أخرى، لا ترغب بالظهور كمنفّذة للإملاءات الأميركية، خصوصًا في ظل اتهامات متكررة من خصومها بأنها تميل للغرب أكثر مما يجب.
تحالفات على حافة الانهيار
يرى مراقبون أن العقوبات الجديدة قد تُعيد رسم ملامح التحالفات السياسية داخل العراق، خصوصًا بين الفصائل الشيعية التي تنقسم اليوم بين من يدعو إلى التصعيد ضد واشنطن ومن يفضل التهدئة لحماية مصالحه الاقتصادية والسياسية.
وبحسب التميمي، فإن “بعض الأطراف ستسعى إلى الابتعاد عن الكيانات المعاقبة لتجنّب التبعات الدولية أو المالية، بينما ستختار أخرى التمترس خلف شعارات المقاومة ومحاربة النفوذ الأميركي، مستثمرة في شعور الشارع بالرفض للتدخل الخارجي. في المقابل قد تستفيد القوى المستقلة”.
رأي قانوني
في السياق، انتقد الباحث القانوني علي التميمي العقوبات الأخيرة التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية على عدد من الشخصيات والشركات العراقية، مؤكدًا أنها تمثل انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي ولاتفاقيات موقعة بين بغداد وواشنطن.
وقال التميمي في تصريح لـ”عراق اوبزيرفر”، إن “العقوبات الأميركية الصادرة بحق عراقيين تتعارض مع المواد (1 و2 و3 و18) من ميثاق الأمم المتحدة التي تشدد على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، كما تتناقض مع المادتين (27 و28) من الاتفاقية الإستراتيجية بين العراق والولايات المتحدة، فضلًا عن مخالفتها للقوانين العراقية التي تكرّس مبدأ البراءة حتى تثبت الإدانة”.
وأضاف أن على الحكومة العراقية “أن تفتح تحقيقًا رسميًا في خلفيات تلك العقوبات، وأن تقدّم احتجاجًا دبلوماسيًا إلى السفارة الأميركية في بغداد وإلى الأمم المتحدة، حفاظًا على سيادة العراق ومكانته القانونية”.
وأشار إلى أن “تأثير هذه العقوبات لن يطال الأشخاص المعنيين بشكل فعلي سوى من خلال منع دخولهم إلى الولايات المتحدة وتجميد أموالهم هناك، لكنها في المقابل تنعكس سلبًا على الاقتصاد العراقي وعلى سعر صرف الدولار في السوق المحلية”.
وختم التميمي بالقول إن “ما يُعرف في الشارع العراقي بـ (ربابة العقوبات الأميركية) لن تتوقف، إذ باتت تُفرض تحت ذريعة الأمن القومي الأميركي، دون مراعاة للمواثيق والاتفاقيات التي يفترض أن تنظّم العلاقة بين بغداد وواشنطن”.
ويبدو أن الخطاب المعادي لأميركا سيزداد حضوره في الحملات الانتخابية المقبلة، إذ تميل الجماعات المعاقبة أو المقرّبة منها إلى استخدام هذا الخطاب كوسيلة لإعادة تعبئة جمهورها التقليدي، خصوصًا في المناطق ذات الحضور الشعبي القوي للفصائل المسلحة.





