
بغداد / عراق اوبزيرفر
يشهد المشهد الاقتصادي العالمي تحولات متسارعة تنذر بتغيرات كبرى في خريطة الطاقة وأسعار النفط، من فنزويلا إلى روسيا وإيران، وصولًا إلى تأثيراتها المباشرة على الدول الريعية وعلى رأسها العراق.
التجاذبات السياسية، ومحاولات إعادة تشكيل الحكومات في دول نفطية، ومساعي إنهاء الحروب الإقليمية، كلها عوامل تتقاطع لتخلق وفرة محتملة في الإمدادات النفطية قد تدفع بالأسعار إلى واحد من أدنى مستوياتها خلال الأعوام الأخيرة.
وفي ظل اعتماد العراق شبه الكامل على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات، يصبح الحديث عن سياسات بديلة مثل تعدد أسعار الصرف أو سياسة السعر الانتقائي، ضرورة اقتصادية ملحة وليست مجرد خيار نظري. هذا الواقع يضع صانعي القرار أمام اختبار حقيقي يتطلب رؤية استباقية لحماية الاقتصاد الوطني من الصدمات القادمة.
وفي هذا الصدد، حذر الخبير الاقتصادي سيف الحلفي من “مرحلة حساسة وخطيرة” قد يشهدها الاقتصاد العراقي خلال الفترة المقبلة، في ظل التطورات الدولية المتسارعة، وتراجع أسعار النفط بشكل فعلي في الأسواق العالمية، داعيًا الحكومة إلى تبني سياسة سعر الصرف الانتقائي لحماية الموازنة والقطاع الخاص والمواطن على حدّ سواء.
وقال الحلفي لـ”عراق اوبزيرفر”، إن أسعار النفط العالمية تشهد موجة هبوط متسارعة، إذ انخفض خام برنت إلى نحو 63 دولارًا، فيما تراجع خام غرب تكساس إلى 59 دولارًا للبرميل، وسط حديث خبراء عالميين عن إمكانية الهبوط إلى ما دون 55 دولارًا إذا ارتفعت الإمدادات النفطية الدولية.
وأوضح أن “ما يجري خلف الكواليس أخطر من الانخفاض الحالي”، مشيرًا إلى التحركات الأميركية بقيادة الرئيس دونالد ترامب تجاه فنزويلا. ولفت ايضاً إلى وجود تقارير إعلامية ودولية تفيد بأن ترامب بدأ فعليًا بترتيب شكل الحكومة المقبلة في كاراكاس، في محاولة لإعادة توجيه القيادة السياسية نحو المعارضة، بما يمهد لإعادة فتح الصادرات الفنزويلية المعروفة بإنتاجها الثقيل والوفير والرخيص.
وأكد الحلفي أن دخول النفط الفنزويلي مجددًا إلى الأسواق العالمية “سيضيف معروضا كبيرا قادرا على خفض الأسعار بشكل واضح”، لافتا إلى أن هذه الخطوات تأتي ضمن خطة ترامب لخفض أسعار النفط والتضخم في الولايات المتحدة، تمهيداً لتعزيز قاعدته الانتخابية قبل انتخابات الكونغرس في عام 2026.
وأضاف أن وقف الحرب الروسية–الأوكرانية، إذا نجحت جهود ترامب بهذا الاتجاه، سيعني عودة النفط الروسي بكامل طاقته، وبالتالي زيادة الإمدادات العالمية وتراجع الأسعار، وهو ما يصب ايضاً في مصلحة الصناعة الأميركية والناخب الأميركي الباحث عن “وقود رخيص”.
وتساءل الحلفي عن تأثير عودة النفط الإيراني بكامل طاقته الإنتاجية، مبينًا أن “النفط الإيراني يتمتع بجودة عالية وسعر تنافسي، وعودته الكاملة ستضيف ضغطاً جديداً على الأسعار نحو الانخفاض”.
وفي الشأن المحلي، أكد أن العراق ما يزال يعاني من “اقتصاد ريعي هشّ يعتمد على النفط بنسبة 90%”، مع وجود موازنة تشغيلية ضخمة، وتضخم واسع في الرواتب، وضعف في الجباية الضريبية والجمركية، إلى جانب ركود عقاري، ومخاوف شعبية مستمرة من انخفاض قيمة الدينار العراقي، رغم النفي الرسمي المتكرر.
وقال إن الأسواق العراقية تعيش اليوم ما أسماه “تضخم الخوف”، وهو ارتفاع بالأسعار ناتج ليس عن زيادة التكلفة الفعلية، بل عن التخزين والاحتكار والمضاربة والشراء العاطفي والتهويل.
وأوضح أنه في حال هبوط أسعار النفط إلى مستوى يتراوح بين 50–60 دولارًا للبرميل، فإن العراق قد يواجه: “عجزًا مالياً كبيراً، توقفاً لمعظم المشاريع الاستثمارية، ضغوطاً على ملف الرواتب، واضطراراً لتقليل الإنفاق الحكومي”.
وأشار الحلفي إلى أن دخول آلية الاسيكودا الخاصة بالاحتساب المسبق للكمارك خلق حالة من الهلع لدى المضاربين، أدت إلى امتناعهم عن بيع الدولار وتخزين العملة وخلق طلب وهمي أسهم في رفع الأسعار.
ودعا الحكومة إلى تبني سياسة تعدد أسعار الصرف أو ما سمّاه “سياسة سعر الصرف الانتقائي”، والتي تقوم على منح سعر دولار مدعوم ومنخفض لاستيراد السلع الأساسية مثل الغذاء والدواء والمواد الخام، مقابل اعتماد سعر أعلى لاستيراد السلع الكمالية مثل الإلكترونيات والسيارات وبضائع الرفاهية.
وبيّن أن هذه السياسة تُعد من الأدوات الفعّالة لحماية الصناعة الوطنية والمستهلك، ولتقليل الضغط على الموازنة في ظل التغيرات الدولية المحتملة.
وختم الحلفي بالقول إن نجاح الخطوات الأميركية في: “تغيير حكومة فنزويلا، وإنهاء الحرب الروسية–الأوكرانية، إعادة النفط الروسي، وتخفيف العقوبات على إيران” سيخلق وفرة نفطية غير مسبوقة عالميًا، ما يجعل العراق “أول المتأثرين” إذا لم يبدأ منذ الآن بسياسات استباقية تحمي اقتصاده من سيناريو هبوط النفط إلى مستوى 50 دولارًا للبرميل.
وفي ضوء هذه السيناريوهات الدولية، وما قد تخلقه من “غزارة نفطية” تضغط بقوة على الأسعار العالمية، يبدو العراق أمام مفترق طرق اقتصادي لا يحتمل التأجيل. فالاعتماد على النفط وحده لم يعد آمناً، والرهان على استقرار الأسعار بات أكثر مخاطرة من أي وقت مضى.



