
بغداد / عراق اوبزيرفر
شهدت الأيام الأخيرة تطوراً لافتاً في ملف الحرب ضد تنظيم “داعش”، بعد أن أعلن جهاز مكافحة الإرهاب العراقي عن مقتل القيادي البارز في التنظيم، عمر عبد القادر بسام الملقب بـ”عبد الرحمن الحلبي”، في عملية نوعية جرت داخل الأراضي السورية، بالتنسيق مع قوات التحالف الدولي والحكومة السورية.
هذه العملية لم تكن مجرد استهداف لقيادي إرهابي، بل مثلت محطة مهمة تعكس حجم التطور في قدرات العراق الأمنية والاستخبارية، ومدى التفاهم المتقدم مع دمشق في مواجهة التحديات المشتركة على الحدود المترامية بين البلدين.
ضربة قاصمة في العمق السوري
وفق البيان الرسمي لجهاز مكافحة الإرهاب، فإن العملية استندت إلى متابعة دقيقة استمرت عدة أشهر، جرى خلالها رصد تحركات القيادي الحلبي وتحديد موقعه بدقة. وبعد اكتمال حلقة المعلومات الاستخبارية، نفذت طائرات التحالف الدولي ضربة مركزة، أنهت وجوده بشكل كامل. ويشير الجهاز إلى أن الحلبي كان يشغل موقعاً مهماً بوصفه مسؤولاً عن العمليات والأمن الخارجي في “داعش”، إضافة إلى إشرافه على ما يُعرف بـ”الولايات البعيدة”، وهي الفروع الخارجية للتنظيم التي تنشط في أكثر من قارة.
هذا الدور جعل من الحلبي واحداً من أبرز العقول المدبرة لهجمات التنظيم العابرة للحدود، ما يجعل القضاء عليه إنجازاً كبيراً لا يقتصر أثره على العراق وسوريا، بل يمتد ليشمل دولاً أخرى كانت أهدافاً محتملة لخطط التنظيم المستقبلية.
حدود مشتعلة وعمق جغرافي معقد
تمتد الحدود العراقية – السورية لمسافة تقارب 599 كيلومتراً، تعبر تضاريس شديدة التعقيد، من أعالي بلاد ما بين النهرين حتى الصحارى القاحلة، وتنتهي عند المثلث الحدودي مع تركيا على نهر دجلة. هذه الحدود لطالما مثلت شريان حياة لتنظيم “داعش”، سواء لنقل المقاتلين أو التهريب أو إنشاء ملاذات آمنة.
وتاريخياً، نشأت هذه الحدود بموجب اتفاقية سايكس بيكو عام 1916، قبل أن تأخذ شكلها الحالي في العام 1961. وهي تضم مناطق بارزة مثل ربيعة والشدادي، إضافة إلى البوكمال على الجانب السوري والقائم على الجانب العراقي. هذه المناطق كانت طوال السنوات الماضية مسرحاً لتحركات التنظيم، وساحة لعمليات عسكرية متبادلة بين الجيشين العراقي والسوري، بإسناد من التحالف الدولي.
تعاون غير مسبوق بين بغداد ودمشق
عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية، النائب محمد الشمري، أكد في تصريح صحفي تابعته “عراق اوبزيرفر”، أن العملية الأخيرة جاءت نتيجة “مستويات متقدمة من التعاون والتفاهم بين الحكومتين العراقية والسورية”، مشدداً على أن بغداد ودمشق تخوضان اليوم معركة مشتركة ضد بقايا الإرهاب.
الشمري أوضح أن جهاز مكافحة الإرهاب العراقي نفذ العملية بإسناد جوي ودعم استخباري واسع، شمل أجهزة وزارة الداخلية، واستخبارات الجيش، والمخابرات الوطنية، إضافة إلى جهاز مكافحة الإرهاب. هذا التنسيق المتعدد المستويات مكّن العراق من امتلاك قدرة فريدة على ملاحقة عناصر “داعش” حتى في العمق السوري، بما يضمن ضرب خطوط الإمداد، وتجفيف منابع التهديد قبل أن تصل إلى الأراضي العراقية.
قدرات عراقية متطورة
تؤكد المعطيات الميدانية أن القوات العراقية باتت اليوم أكثر استعداداً للتعامل مع بقايا التنظيم. فمنذ إعلان النصر العسكري على “داعش” في العام 2017، لم تتوقف الأجهزة الأمنية عن تطوير قدراتها الاستخبارية والتقنية. عمليات الرصد الجوي، والتنسيق مع التحالف، والاستخدام المكثف للمعلومات البشرية على الأرض، كلها أسهمت في بناء منظومة متكاملة جعلت العراق أكثر قدرة على إحباط الهجمات قبل وقوعها.
الشمري شدد على أن “القدرات الميدانية والاستخبارية للقوات العراقية جعلتها قادرة على التصدي لداعش بفاعلية أكبر، وضمان أمن الحدود بشكل غير مسبوق”. وهو تصريح يعكس الثقة المتزايدة في أن العراق لم يعد مجرد ساحة دفاعية، بل تحول إلى لاعب هجومي قادر على ضرب الإرهاب حتى خارج حدوده.
تهديدات لم تنته بعد
في السياق، يرى مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، غازي فيصل في حديث لـ”عراق اوبزيرفر”، أن التهديد الإرهابي لم يختفِ بعد. فالتنظيمات المتطرفة مثل داعش والقاعدة وأنصار الشريعة لا تزال تتحرك بمرونة عابرة للحدود من أفغانستان حتى شمال أفريقيا.
واعتبر فيصل أن تنظيم داعش على وجه الخصوص ما يزال يشكل تهديداً إقليمياً خطيراً، مستشهداً بمخيم “الهول” في شمال شرق سوريا، الذي يضم أكثر من 45 ألف عنصر من التنظيم مع عائلاتهم، واصفًا إياه بأنه “قنبلة موقوتة” قابلة للانفجار في أي لحظة.
كما حذّر من خطورة ما يُعرف بـ”الذئاب المنفردة”، وهي مجموعات صغيرة تتوزع في صحراء الأنبار، وجبال حمرين، وأطراف كركوك ونينوى، وتتحرك بمعزل عن قيادة مركزية، مما يجعل من الصعب تعقبها أو القضاء عليها بشكل كامل. هذه المجموعات قد تشن هجمات مباغتة تستهدف نقاطاً عسكرية أو مدنية وتعيد للأذهان مشهد الفوضى الأمنية الذي حاول العراق تجاوزه خلال السنوات الماضية.




