حواءخاصمنوعات

الخوف أخطر من المرض: حملات حكومية تكسر الصمت وتدعو النساء لمواجهة سرطان الثدي بالفحص المبكر

بغداد / عراق اوبزيرفر

في شهر تشرين الأول من كل عام، يعلو اللون الوردي في شوارع ومدن العالم، إيذاناً بانطلاق حملات التوعية بسرطان الثدي، المرض الأكثر شيوعاً بين النساء والأكثر قدرة على بث الخوف في نفوسهن. وفي العراق، حيث تختلط التحديات الصحية بالموروثات الاجتماعية، أطلقت وزارة الصحة حملة وطنية مكثفة لحث النساء على إجراء الفحص المبكر، مؤكدة أن الكشف في مراحله الأولى يظل العامل الأهم في خفض معدلات الوفيات وتحسين فرص العلاج.

وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة سيف البدر إن “الحملة التي أطلقتها الوزارة ضمن برامجها السنوية تهدف إلى تعزيز الوعي بأهمية الفحص الدوري والكشف المبكر، من خلال نشر معلومات تفصيلية حول الفحص الذاتي والسريري ومواعيد إجراء تصوير الثدي (الماموغرام) لدى الفئات المستهدفة”، موضحاً أن “الحملة تنفذ بالتنسيق مع مجلس السرطان، وتتزامن مع فعاليات علمية تشمل امتحان الجمعية الأوروبية لأمراض الأورام السريرية، الذي يعد حدثاً علمياً مهماً في تطوير كفاءة الأطباء ومواكبة أحدث الممارسات العالمية في التشخيص والعلاج”.

وأضاف البدر أن “الوزارة نظمت ندوات وورش عمل واستعرضت قصص متعافيات لتشجيع النساء على تجاوز الخوف من الفحص”، مشيراً إلى أن “مراكز الكشف المبكر منتشرة في أغلب المحافظات، وتقدم خدماتها مجاناً أو بأسعار رمزية ضمن برامج الدعم الحكومي المتاحة”.

وعي يتحرك ببطء

ورغم أن المؤشرات الوطنية تشير إلى تحسن نسبي في معدلات الكشف والامتثال داخل مراكز الرعاية الصحية، إلا أن الباحثين يرون أن الطريق لا يزال طويلاً لتكريس ثقافة الفحص المبكر في المجتمع العراقي.

تقول الدكتورة زهراء العبيدي، الباحثة في شؤون الصحة العامة، في تصريح خاص لـ”عراق اوبزيرفر”، إن “إطلاق وزارة الصحة لهذه الحملات يمثل خطوة أساسية في الاتجاه الصحيح، خاصة في ظل ارتفاع معدلات الإصابة خلال السنوات الأخيرة”، مشيرة إلى أن “الكشف المبكر ما يزال السلاح الأقوى لتقليل نسب الوفيات وتحسين فرص الشفاء الكامل”.

وأضافت أن “تجارب الدول التي تبنت برامج فحص منتظم أظهرت أن أكثر من 90% من الحالات المكتشفة في مراحلها الأولى قابلة للعلاج التام، وهو ما يجب أن يدفع النساء العراقيات إلى تجاوز الخوف والحرج الاجتماعي والتوجه إلى مراكز الفحص المتخصصة بانتظام”.

وتوضح العبيدي أن “المشكلة لا تكمن فقط في ضعف الوعي، بل في محدودية الوصول إلى الخدمات الطبية في بعض المحافظات الطرفية، الأمر الذي يتطلب من الدولة تعزيز برامج الفحص المتنقل وتوفير أجهزة (الماموغرام) في المناطق البعيدة”.

وتختم الباحثة بالقول: “سرطان الثدي لم يعد قضية طبية بحتة، بل قضية مجتمعية وتنموية تمس استقرار الأسرة العراقية وصحتها، ما يستدعي تكاتف الجهود الحكومية والإعلامية والمدنية لتكريس ثقافة الفحص المبكر وتحويلها إلى سلوك دوري متجذر في وعي النساء”.

عوائق اجتماعية ونفسية

من جانبها، ترى الباحثة الاجتماعية الدكتورة نضال الباوي أن “جزءاً كبيراً من التحدي لا يكمن فقط في الإمكانات الطبية، بل في موقف النساء أنفسهن من الفحص المبكر، إذ لا تزال ثقافة الخوف أو الحرج أو الإهمال الذاتي تمنع كثيرات من الإقدام على الفحص حتى عند ظهور مؤشرات أولية”.

وتضيف الباوي أن “الوعي الصحي لدى النساء العراقيات ما زال بحاجة إلى حملات مكثفة أكثر جرأة وواقعية، لأن كثيرات يربطن المرض بالوصمة أو القدر، لا بالعلم والوقاية، وهو ما يؤدي إلى تأخر التشخيص وارتفاع نسب الوفيات”.

وتؤكد أن “التحدي الأكبر يتمثل في كسر حاجز الخوف الاجتماعي، وجعل الفحص المبكر أمراً عادياً يشبه مراجعة الطبيب الدوري أو إجراء تحليل روتيني”، مشددة على ضرورة أن “تستهدف الحملات المدارس والجامعات وأماكن العمل بخطاب مباشر يبدد الخوف من المرض ويحوّل الوقاية إلى ثقافة عامة”.

أمل يتجدد

تجارب النساء اللواتي تعافين من سرطان الثدي بعد الكشف المبكر أصبحت اليوم جزءاً أساسياً من الحملات التوعوية في العراق، إذ تشكل نموذجاً ملهما لمواجهة المرض بالأمل والعلم معاً. وتؤكد دراسات طبية أن نسب الشفاء قد تتجاوز 90% عندما يكتشف المرض في مراحله الأولى، ما يجعل التوعية والفحص الدوري حجر الزاوية في أي إستراتيجية وطنية لمكافحة السرطان.

وفي بلد مثل العراق، حيث تمثل المرأة نواة الأسرة والمجتمع، فإن حماية صحتها لا تعني فقط إنقاذ حياة فردية، بل صون مستقبل عائلة بأكملها. لذلك، فإن نجاح حملة وزارة الصحة هذا العام لا يقاس بعدد الملصقات أو الندوات، بل بعدد النساء اللواتي سيكسرن حاجز الخوف ويقررن أن الوقاية ليست ترفاً، بل ضرورة حياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { if (document.querySelector("nojq")) { document.querySelector("nojq").addEventListener("click", function() { console.log("Element clicked!"); }); } });