
بغداد / عراق اوبزيرفر
إذا كان توقيت التصريحات في السياسة لا يأتي صدفة، فإن ما جرى خلال أقل من 24 ساعة داخل “البيت الشيعي” يستحق أكثر من قراءة عابرة، فخلال ساعات محدودة، خرجت مواقف متطابقة، بل متطابقة حد التطابق الحرفي، من قيادات فصائلية وسياسية وازنة، جميعها ترفع الشعار نفسه “حصر السلاح بيد الدولة”. مشهد بدا وكأنه بيان واحد قرئ بعدة أصوات، ما فتح الباب واسعاً أمام التساؤل: هل نحن أمام تحول حقيقي في العقيدة السياسية، أم إعادة تموضع محسوبة تحت ضغط الداخل والخارج؟
تحول مفاجئ أم اتفاق مسبق؟
المحلل السياسي مجاشع التميمي، وفي حديثه لـ“عراق أوبزيرفر”، يضع هذه المواقف في إطار أبعد من كونها ردود أفعال أو اجتهادات فردية.
بحسب التميمي، “لا يمكن التعامل مع هذه الدعوات بوصفها مواقف مبدئية مجردة، بل هي انعكاس مباشر لضغوط إقليمية ودولية متصاعدة، ورسائل أمريكية واضحة وجهت إلى بغداد بشأن ملف السلاح خارج إطار الدولة”.
ويرى التميمي أن “هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً لدى القوى الشيعية المؤثرة بأن ازدواجية السلاح لم تعد ورقة قوة، بل تحولت إلى عبء سياسي وأمني، يهدد استقرار النظام السياسي برمته، ويضع العراق في مرمى الضغوط الخارجية والعزلة المحتملة”.
12 ساعة وخطاب واحد
اللافت أن هذه المواقف لم تتوزع زمنياً على أسابيع أو حتى أيام، بل صدرت خلال أقل من 12 ساعة، وبمضمون متطابق تقريباً. زعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، الأمين العام لحركة أنصار الله الأوفياء حيدر الغراوي، الأمين العام لكتائب الإمام علي شبل الزيدي، إضافة إلى زعيم تيار الحكمة الوطني عمار الحكيم، جميعهم قالوا الشيء نفسه بصياغات مختلفة: “نحن فزنا في الانتخابات، وأصبحنا أمام مسؤولية الانتقال إلى منطق الدولة”.
الخزعلي: من الفصيل إلى الدولة
في كلمته الأخيرة، قال قيس الخزعلي بوضوح: “نحن الآن جزء من الدولة ونتحمل المسؤولية، ونؤمن بحصر السلاح بيد الدولة وسنتخذ الخطوات المطلوبة لتحقيق هذا الشعار على أرض الواقع”.
هذا الخطاب، الذي كان يعد قبل سنوات خطاً أحمر، بات اليوم يطرح علناً، ما يعكس تغيراً في ميزان الحسابات، وليس بالضرورة تغيراً في القناعات العقائدية.
الغراوي والزيدي: الفوز يلزمنا أخلاقياً
الأمين العام لحركة أنصار الله الأوفياء، حيدر الغراوي، سار على الخط نفسه حين ربط حصر السلاح بـ“المسؤولية الوطنية المباشرة” الناتجة عن الفوز الانتخابي. أما شبل الزيدي، فذهب أبعد حين تحدث عن “مسؤولية أخلاقية” لا تقتصر على الأمن، بل تمتد إلى النهوض بالواقع الاقتصادي.
الحكيم: لا إملاءات خارجية
في موازاة ذلك، حرص عمار الحكيم على إضافة بعد سيادي للخطاب، مؤكداً أن حصر السلاح يجب أن يكون “بإرادة العراقيين وأحزابهم، وليس بإملاءات خارجية”، مع رفضه استخدام السلاح للضغط على متخذ القرار.
لكن، ورغم هذا التأكيد، يبقى السؤال مطروحاً هل يمكن فصل هذا الخطاب عن الضغوط الأمريكية والإقليمية المتصاعدة؟
إعادة تموضع لا أكثر؟
بحسب مجاشع التميمي، فإن هذه التصريحات تمثل محاولة استباقية لإعادة التموضع داخل معادلة “الدولة أولاً”، وتقليل كلفة الاستهداف الخارجي، تمهيداً لمرحلة إقليمية جديدة يعاد فيها رسم أدوار الفاعلين وفق منطق المؤسسات، لا منطق الفصائل والسلاح المنفلت.
التحدي الحقيقي لا يكمن في التصريحات، بل في ترجمتها إلى خطوات عملية. فالعراقيون سمعوا شعار “حصر السلاح بيد الدولة” مرات عديدة، لكن الفارق هذه المرة أن الشعار خرج من أفواه من يملكون السلاح فعلياً. وهذا بحد ذاته تطور مهم، حتى لو كان مدفوعاً بحسابات براغماتية.






