
بغداد/ عراق اوبزيرفر
في وقت تواصل فيه أسعار النفط تقلباتها في الأسواق العالمية، تتصاعد التحذيرات من هشاشة البنية المالية في العراق، الذي ما يزال يعتمد بصورة شبه مطلقة على الإيرادات النفطية لتمويل موازنته العامة ورواتب موظفيه ومشاريعه الخدمية.
وبينما تبدو الوفورات المالية ممكنة في فترات ارتفاع الأسعار، فإن أي تراجع مفاجئ قد يقلب المعادلة سريعاً، ويدفع البلاد نحو دوامة العجز والاقتراض.
الخبير الاقتصادي أحمد عبد ربه يرى أن هذا النموذج لم يعد قابلاً للاستدامة، مشيراً إلى أن العراق يعتمد بأكثر من 90% من إيراداته العامة على تصدير النفط، ما يعني أن مفاصل الدولة المالية بأكملها – من الرواتب إلى الدعم الاجتماعي والمشاريع – مرتبطة مباشرة بسعر برميل النفط في السوق العالمية.
ويحذر عبد ربه في تصريح لـ”عراق اوبزيرفر”، من أن “أي هبوط مفاجئ في الأسعار قادر على تحويل الفائض المالي إلى عجز خلال أشهر قليلة، ليجد صانع القرار نفسه أمام خيارين أحلاهما مر “إما الاستدانة لتغطية النفقات، أو تأجيل الالتزامات المالية”، معتبراً أن هذا النمط يرسّخ ما وصفه بـ“الهشاشة المالية المزمنة”.
هيكل إنفاق مختل
لا تقف المشكلة عند جانب الإيرادات فقط، بل تمتد إلى طبيعة الإنفاق العام. فبحسب عبد ربه، يميل الهيكل الحالي للموازنة نحو الرواتب والنفقات التشغيلية على حساب الاستثمار الإنتاجي، وهو ما يحد من قدرة الاقتصاد على توليد قيمة مضافة خارج القطاع النفطي.
ومع النمو السكاني المتسارع ودخول مئات الآلاف من الشباب إلى سوق العمل سنوياً، تبدو معادلة التوظيف الحكومي الشامل غير قابلة للاستمرار. فالدولة – وفقاً لـ عبد ربه – لا يمكنها مواصلة استيعاب جميع الداخلين الجدد إلى سوق العمل ضمن القطاع العام، في ظل تضخم فاتورة الرواتب وضيق الحيز المالي.
القطاع الخاص.. خيار وجودي
في هذا السياق، يؤكد عبد ربه أن إنعاش القطاع الخاص لم يعد ترفاً إصلاحياً أو بنداً ثانوياً في برامج الحكومة، بل تحول إلى “خيار وجودي” لمستقبل الاقتصاد العراقي. فبدون قطاع خاص حقيقي ومنتج، لن يتحقق تنويع فعلي في مصادر الدخل، ولن تتمكن البلاد من امتصاص معدلات البطالة المرتفعة أو تحقيق نمو مستدام خارج الدورة النفطية.
ويفرق الخبير بين قطاع خاص منتج قائم على التصنيع والخدمات ذات القيمة المضافة، وبين قطاع وسيط يعتمد على التجارة والاستيراد فقط، مشدداً على أن المطلوب هو بناء قاعدة إنتاجية قادرة على المنافسة محلياً وإقليمياً.
ويمتلك العراق، بحسب عبد ربه، إمكانات كبيرة في قطاعات استراتيجية يمكن أن تشكل ركيزة للاقتصاد الجديد، من بينها الزراعة والصناعات الغذائية، والبتروكيمياويات، ومواد البناء، إضافة إلى النقل والخدمات اللوجستية والاقتصاد الرقمي.
فالبلاد تمتلك أراضي زراعية واسعة وموارد مائية يمكن، إذا ما أُديرت بكفاءة، أن تقلل فاتورة الاستيراد الغذائي. كما أن موقع العراق الجغرافي يؤهله ليكون ممراً تجارياً ولوجستياً مهماً يربط الخليج بتركيا وأوروبا. أما في مجال الاقتصاد الرقمي، فإن شريحة الشباب الواسعة تمثل قاعدة بشرية قادرة على قيادة التحول نحو خدمات تكنولوجية ناشئة، إذا ما توفرت البيئة الداعمة.
ومع تسارع التحديات الديموغرافية والمالية، تبدو مسألة تنويع الاقتصاد وإنعاش القطاع الخاص أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، ليس فقط لضمان الاستقرار المالي، بل لبناء قاعدة اقتصادية قادرة على توفير فرص العمل وتحقيق نمو مستدام يخفف من وطأة “صدمة البرميل” كلما هبطت الأسعار.




