
بغداد/ عراق أوبزيرفر
دخلت العلاقات العراقية – الإيرانية مرحلة جديدة مع اتفاق بغداد وطهران على إعداد وثيقة استراتيجية شاملة تنظم مسارات التعاون بين البلدين، في خطوة يراها مراقبون انتقالاً من إدارة الملفات الثنائية بصورة متفرقة إلى بناء إطار مؤسسي طويل الأمد يشمل السياسة والاقتصاد والأمن والطاقة والنقل والاستثمار، بالتزامن مع تعقيدات إقليمية متسارعة وحرب تلقي بظلالها على المنطقة بأكملها.
وجاء الاتفاق خلال الزيارة الرسمية التي أجراها رئيس الوزراء علي الزيدي إلى طهران، على رأس وفد حكومي رفيع، حيث اتفق الجانبان على إعداد وثيقة استراتيجية شاملة يتولى وزيرا خارجية البلدين استكمال مسودتها النهائية، تمهيداً لرفعها إلى قيادتي العراق وإيران للتوقيع عليها، إلى جانب الاتفاق على عقد اجتماعات سنوية للجنة العليا المشتركة لمتابعة تنفيذ الاتفاقيات وتوسيع مجالات التعاون.
ولم تقتصر نتائج الزيارة على الإطار السياسي، إذ شملت تفاهمات للإسراع في إنجاز مشروع سكة حديد البصرة – شلامجة، وتوسيع الاستثمارات والتبادل التجاري، وتعزيز التعاون في مجالات الطاقة والنقل والترانزيت والصناعة والزراعة والخدمات الفنية والهندسية، فضلاً عن تطوير التعاون المصرفي والمالي وإزالة المعوقات التي تواجه تنفيذ المشاريع المشتركة.
وعلى الصعيد الأمني، أكد البلدان مواصلة التنسيق في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والتهديدات العابرة للحدود، إلى جانب استمرار التشاور بشأن التطورات الإقليمية، مع التشديد على أن تسوية الأزمات ينبغي أن تتم عبر الحوار والدبلوماسية واحترام سيادة الدول.
بدوره، قال الباحث والأكاديمي مجاشع التميمي إن “زيارة رئيس الوزراء إلى طهران جاءت في توقيت بالغ الحساسية، بعد أيام قليلة من زيارته إلى الولايات المتحدة، وهو ما منحها أهمية استثنائية في ظل الظروف الأمنية والسياسية التي تمر بها المنطقة”.
وأضاف التميمي لـ”عراق أوبزيرفر” أن “الحكومة العراقية تقدم اليوم نموذجاً مختلفاً في إدارة علاقاتها الخارجية، إذ بات التوازن يُبنى على أساس المصلحة العراقية أولاً، وليس على حسابها، وهو ما انعكس بوضوح في التحرك بين واشنطن وطهران خلال فترة زمنية قصيرة”.
وأوضح أن “الوثيقة الاستراتيجية الشاملة تمثل إطاراً مؤسسياً لتنظيم العلاقة بين البلدين، وتمنح بغداد فرصة لمعالجة ملفات حيوية تتعلق بالطاقة والتبادل التجاري وحركة النقل والاستثمارات، فضلاً عن تعزيز التعاون الأمني في مواجهة التحديات المشتركة”.
وأشار التميمي إلى أن “العراق يواجه تحديات اقتصادية كبيرة نتيجة التطورات الإقليمية، لذلك فإن تأمين استمرار حركة التجارة والصادرات النفطية، وضمان استقرار التعاون في ملف الطاقة، يعدان من أبرز الأولويات التي حملها الوفد العراقي خلال مباحثاته مع المسؤولين الإيرانيين”.
ولفت إلى أن “العراق يسعى في المرحلة المقبلة إلى ترسيخ سياسة تقوم على تحويل البلاد من ساحة للصراعات الإقليمية إلى ساحة للاستثمار والاقتصاد، وهو ما يتطلب استمرار الحوار مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، والحفاظ على علاقات متوازنة تحقق المصالح الوطنية”.
ويرى مختصون أن الوثيقة الاستراتيجية قد تمثل خارطة طريق جديدة للعلاقات العراقية – الإيرانية، إذ لا تقتصر على تنظيم التعاون الثنائي فحسب، بل تؤسس لآليات متابعة وتنفيذ مؤسسية، بما يضمن استمرارية المشاريع المشتركة ويمنح العلاقات بين بغداد وطهران إطاراً أكثر استقراراً في ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.




