
بغداد/ عراق أوبزيرفر
أزمة مزمنة تتجدد في العراق مع كل محاولة لإزالة التجاوزات السكنية والعشوائيات، بعدما تحولت حملة لإزالة مساكن مقامة على أراض متجاوز عليها إلى اشتباك مسلح أودى بحياة ضابط كبير ومنتسب أمني، لتعيد الحادثة فتح ملف ظل لسنوات من دون معالجة جذرية، رغم اتساع رقعة التجمعات العشوائية وارتفاع أعداد السكان القاطنين فيها.
وبحسب تقديرات وأرقام رسمية، ارتفع عدد التجمعات العشوائية المسجلة في العراق خلال السنوات الأخيرة إلى نحو 4679 تجمعاً، تضم قرابة ثلاثة ملايين ونصف المليون نسمة، فيما تتصدر بغداد قائمة المحافظات من حيث عدد التجمعات بأكثر من ألف تجمع، وبما يمثل نحو 23 بالمئة من الإجمالي، تليها البصرة، في وقت تكشف بيانات المسح الرسمية أن نحو 87 بالمئة من الأراضي المتجاوز عليها تعود إلى الدولة، مقابل 13 بالمئة تعود إلى ملكيات خاصة.
أظهر التعداد العام للسكان والمساكن أن المساكن غير النظامية وغير الصالحة للسكن تمثل نحو 1.3 بالمئة من أكثر من ثمانية ملايين وحدة سكنية في العراق، إلا أن ملف التجاوزات لا يقتصر على المساكن التي تصنف ضمن العشوائيات، بل يشمل أحياء ومساكن أقيمت على أراض حكومية أو زراعية، أو خارج الاستعمالات والتصاميم الأساسية المقررة، في ظل توسع عمراني وسكاني لم يواكبه توفير كافٍ للبدائل السكنية.
ويرى مختصون أن استمرار المشكلة يرتبط بجملة عوامل متداخلة، من بينها النقص الكبير في الوحدات السكنية، وارتفاع أسعار الأراضي والعقارات، وضعف قدرة شرائح واسعة على شراء أو استئجار مساكن نظامية، فضلاً عن غياب برامج مستدامة للمجمعات السكنية واطئة الكلفة التي يمكن أن توفرها الدولة للفئات الأكثر حاجة، وهو ما دفع آلاف الأسر إلى البحث عن حلول خارج التخطيط العمراني الرسمي.
ملفات متراكمة
ولا تقف المسؤولية عند السكان المتجاوزين وحدهم، إذ يشير مختصون إلى أن بعض التجاوزات تحولت مع مرور الوقت إلى أحياء مكتملة الخدمات والسكان، في وقت سمحت فيه حالات من التراخي الإداري والفساد وضعف الرقابة باستمرار البناء على الأراضي الحكومية والزراعية، فضلاً عن غياب الحسم القانوني في مراحل مبكرة من ظهور تلك التجاوزات، الأمر الذي جعل معالجتها لاحقاً أكثر تعقيداً وكلفة.
ويقول الخبير الاقتصادي عبدالسلام حسن إن “معالجة ملف التجاوزات السكنية تتطلب الانتقال من الحلول المؤقتة والإجراءات التي تركز على الإزالة فقط إلى سياسة شاملة تعالج الأسباب التي دفعت المواطنين إلى السكن خارج المخططات الرسمية، مبيناً أن استمرار المشكلة طوال السنوات الماضية يؤكد وجود خلل في السياسات السكنية والتخطيطية المتبعة من قبل الحكومات المتعاقبة”.
وأضاف لـ”عراق أوبزيرفر” أن “ملف التجاوزات تراكم لسنوات طويلة نتيجة سياسات سكنية غير قادرة على مواكبة النمو السكاني واحتياجات المواطنين، إلى جانب ارتفاع أسعار الأراضي والوحدات السكنية، وعدم توفير مجمعات واطئة الكلفة تستوعب الشرائح محدودة ومتوسطة الدخل”، مبيناً أن “المعالجة الحقيقية لا يمكن أن تقوم على إزالة المساكن فقط، وإنما تحتاج إلى بدائل سكنية وقانون واضح يحدد المسؤوليات ويمنع نشوء تجاوزات جديدة”.
وأشار إلى أن “الحكومات السابقة تتحمل جانباً من مسؤولية تراكم هذا الملف، نتيجة عدم وضع حلول مستدامة رغم وضوح حجم المشكلة وتوسع العشوائيات”.
السكن العمودي
وبحسب مختصين، فإن التوجه نحو السكن العمودي يمكن أن يمثل أحد الحلول الممكنة لتقليل الضغط على الأراضي داخل المدن، إلا أن نجاح هذا الخيار يتطلب ألا يقتصر على المشاريع الاستثمارية ذات العائد الربحي، بل أن يترافق مع مشاريع مدعومة أو مدروسة الكلفة تستهدف الفئات التي لا تستطيع تحمل أسعار السوق، فضلاً عن توفير الخدمات الأساسية ووسائل النقل والمدارس والمراكز الصحية ضمن المناطق الجديدة.
وفي المقابل، فإن معالجة التجاوزات القائمة تتطلب إطاراً قانونياً أكثر شمولاً يحدد المسؤولية عن المخالفة منذ بدايتها، ولا سيما ما يتعلق بتغيير جنس الأرض من زراعي إلى سكني، والجهات التي سمحت أو غضت الطرف عن إنشاء المساكن والمحال والمناطق السكنية المخالفة، بدلاً من تحميل المواطن وحده نتائج مخالفة استمرت لسنوات وأصبحت أمراً واقعاً في عدد من المناطق.
ويرى مختصون أن أي قانون جديد ينبغي أن يفرق بين الحالات بحسب طبيعة الأرض وموقع التجاوز وتاريخ إنشائه ووضع الأسرة التي تقطن فيه، بحيث تتجه الدولة إلى الإزالة في الحالات التي تمثل خطراً على التخطيط أو الخدمات أو السلامة العامة، مقابل إمكانية فرض غرامات أو تنظيم أو تسوية قانونية في حالات أخرى متى ما كانت المعالجة ممكنة ولا تتعارض مع التخطيط الحضري.




