
البصرة / عراق اوبزيرفر
في ظل تجدد الجدل السياسي والشعبي حول مستقبل الإدارة المحلية في محافظة البصرة، عاد ملف تحويلها إلى إقليم ليتصدر المشهد من جديد، وسط انقسام داخل مجلس المحافظة وتساؤلات عن جدوى التوقيت وإمكانية النجاح. وبينما يؤكد مؤيدو المشروع أنه حق دستوري، يرى معارضوه أن البصرة، بوصفها الشريان الاقتصادي الأهم للعراق، تواجه معوقات سياسية واقتصادية تجعل من هذا المسار خطوة معقدة وغير مضمونة النتائج.
وفي هذا السياق، تكشف “عراق أوبزيرفر” آخر تطورات الحراك داخل مجلس محافظة البصرة بشأن تشكيل الإقليم، وتسلط الضوء على المواقف الرسمية والعقبات المحتملة، في محاولة للإجابة عن سؤال يطرح نفسه بقوة: هل تنجح المحاولة السادسة لتشكيل إقليم البصرة؟
أكدت رئيسة اللجنة القانونية في مجلس محافظة البصرة، زهراء عبد الرضا، أن مجلس المحافظة جمع تواقيع لأكثر من 11 عضوًا للمضي بإجراءات تشكيل إقليم البصرة، مشيرةً إلى أن بعض الأعضاء ما زالوا متقبلين للفكرة فيما يرفضها آخرون.
وقالت عبد الرضا في تصريح لـ”عراق أوبزيرفر”، إن “المطالبة بتشكيل الإقليم تُعد حقًا دستوريًا، إلا أن التساؤل الأهم هو: هل ستُمنح البصرة، التي تغطي نحو 70% من الموازنة المعتمدة للحكومة العراقية، هذا الحق؟”.
وأضافت أن تجربة تحويل البصرة إلى إقليم تواجه العديد من المعوقات، لافتةً إلى أن البصرة تُعد العاصمة الاقتصادية للعراق، وأن هذه الخطوة قد تكون مجرد وسيلة ضغط، لكنها ليست الحل الأمثل في الوقت الحالي.
وبيّنت عبد الرضا أن “الأجدر بالبصرة التوجه نحو تشريع قانون يجعلها عاصمة اقتصادية للعراق قبل الشروع بموضوع الإقليم”، معربةً عن اعتقادها بأن هذا الإجراء مؤقت ولن يرى النور، نظرًا لاعتماد الحكومة الاتحادية بشكل كبير على اقتصاد محافظة البصرة.
يذكر أنه بعد عام 2003 انطلقت دعوات إقليم البصرة لتكرار تجربة اقليم كوردستان، الإقليم الوحيد في العراق إلى اليوم، لكنها لم تتكلل بالنجاح لأسباب عدة، منها عدم موافقة الحكومة في بغداد على السير بالإجراءات القانونية لإعلان الإقليم.
ينص الدستور العراقي الدائم على حق “كل محافظة أو أكثر، في تكوين إقليم بناء على طلب بالاستفتاء عليه”.
تتم العملية من خلال طلب من ثلث الأعضاء في كل مجلس من مجالس المحافظات التي تروم تكوين الإقليم، أو طلب من عُشر الناخبين في كل محافظة من المحافظات التي تروم تكوين الإقليم.
كانت أولى محاولات البصرة للتحول إلى إقليم في عام 2008، على يد محافظها الأسبق القاضي وائل عبد اللطيف، بدعم من حزب الفضيلة الإسلامي، إلا أنه فشل في تحشيد النسبة الكافية من الناخبين، ووجه اتهامات لمفوضية الانتخابات بعرقلة إجراء الاستفتاء.
وفي عام 2010 قدم 16 عضواً من مجلس البصرة طلباً إلى مجلس الوزراء لإجراء استفتاء شعبي كمرحلة أولى لإعلان الإقليم، غير أن الطلب قوبل بالتجاهل وعدم الرد عليه من رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، وتكررت الدعوة بعد عام واحد في 2011، إلا أنها صنفت على أنها مزايدات سياسية بين الأطراف المتصارعة في البصرة.
المحاولة تجددت أواخر عام 2014، حين ظهرت حملة شعبية للمطالبة بإعلان الإقليم، مدعومة بحراك ميداني وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، وشهدت ظهور علم للإقليم، حيث نجحت الحملة بعد فترة في تحركاتها حين تلقت رداً رسمياً على طلبها من مفوضية الانتخابات بإجراء الاستفتاء، لكن الحكومة الاتحادية أهملت الرد على الطلب مستغلة حالة الانقسام السياسي بين معارضي ومؤيدي المشروع.
عام 2019 شهد تحرك قانوني لإعلان الإقليم حين وقع 20 عضواً من مجلس البصرة في جلسة استثنائية على طلب تحويل المحافظة إلى إقليم، إلا أن الأمر واجه رفضاً من جهات سياسية ودينية أبرزها التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر وائتلاف الوطنية بقيادة رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي، محذرين من أخطار تشكيل الأقاليم وعدم القدرة على حل مشكلات البصرة إذا تحولت إلى إقليم مستقل، فرفضت حكومة رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي الطلب وخصصت للمحافظة موازنة ضخمة من أجل نسيان فكرة الإقليم.
مؤخراً عادت الفكرة مجدداً، وهذه المرة مشفوعة بعدم ارسال الحكومة الاتحادية موازنة البصرة بشكل كامل من أعوام 2023 و2024 و2025.
يشار الى أن المادة (44) سابعاً وثامناً من قانون المحافظات غير المنتظمة بإقليم رقم (21) المعدل، تنص على ضرورة تخصيص نصف إيرادات المنافذ الحدودية للبصرة، بالإضافة إلى خمسة دولارات عن كل برميل نفط خام منتج أو مكرر في مصافي المحافظة، وكذلك خمسة دولارات عن كل 150 متراً مكعباً من الغاز الطبيعي المنتج.
في ضوء موقعها الستراتيجي وحقولها النفطية الكبيرة وموانئها التجارية النشطة، تعد البصرة القلب النابض للاقتصاد العراقي، وهي ترفد الخزينة العامة للدولة بمئات ملايين الدولارات شهرياً.
كما تُعد البصرة من أغنى محافظات البلاد، كونها تطفو على بحيرة من النفط وتمتاز بالقطاعات الاستثمارية المتمثلة بالطاقة والصناعات التحويلية والزراعة والإنتاج الحيواني والثروة البحرية، بالإضافة إلى السياحة وقطاع النقل والتخزين.
كما أن البصرة رئة العراق البحرية المطلة على الخليج بساحل يمتد بنحو 58 كيلومتراً من رأس البيشة وحتى ميناء أم قصر جنوباً، إضافة إلى أنها تصدر أكثر من 90% من صادرات النفط العراقي.
على مدار السنوات الـ 50 الماضية، كانت البصرة من أوائل المحافظات العراقية في زراعة النخيل لامتلاكها 13 مليون نخلة، أما حالياً فقد انحسر العدد إلى 2.8 مليون نخلة فقط بسبب المد الملحي والتجريف الحاصل، فضلا عن آثار حرب 8 سنوات مع إيران وحرب الخليج الثانية، وفق بيانات دائرة زراعة البصرة.



