
بغداد/ عراق أوبزيرفر
بعد سنوات من تراكم ملفات الهدر والصفقات المثيرة للجدل، تبدو الحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي عازمة على نقل معركة مكافحة الفساد من مرحلة الشعارات إلى ساحة الإجراءات التنفيذية، عبر سلسلة من الملاحقات القضائية والتحقيقات التي طالت مسؤولين وموظفين في مواقع حساسة، وسط ترقب لما إذا كانت الحملة ستصل إلى ما يصفه الشارع العراقي بـ”الحيتان الكبيرة”.
وخلال الأيام الأخيرة، شهدت مؤسسات الدولة تحركات متسارعة شملت فتح ملفات تتعلق بعقود حكومية وشبهات هدر للمال العام، إلى جانب تنفيذ أوامر قبض بحق مسؤولين في قطاعات مختلفة وإجراء تغييرات إدارية ورقابية، في إطار مساعٍ تعلن الحكومة أنها تستهدف تعزيز النزاهة واستعادة ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.
ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات تمثل تحولاً في التعاطي مع ملف الفساد، ولا سيما مع تزايد الحديث عن مراجعة عقود ومشاريع كبرى، وإحالة ما يثبت وجود مخالفات فيه إلى الجهات القضائية المختصة، فضلاً عن دعم المؤسسات الرقابية في أداء مهامها بعيداً عن الضغوط السياسية.
نحو استعادة ثقة الشارع
وفي هذا السياق، قال رئيس كتلة إدراك عبد الحمزة الخفاجي إن “العراقيين لم يعودوا يكتفون بالوعود، بل ينتظرون إجراءات حقيقية تطال الرؤوس المتهمة بالفساد قبل صغار الموظفين”.
وأضاف الخفاجي لـ”عراق أوبزيرفر” أن “استمرار ملاحقة المتورطين ومحاسبتهم وفق القانون يمثل خطوة ضرورية لاستعادة ثقة الشارع، لأن حجم الأموال المهدورة والملفات المتراكمة يستوجب انتقال الدولة إلى مرحلة الحسم لا الاكتفاء بالتصريحات”.
وأوضح الخفاجي أن “مكافحة الفساد تتطلب إرادة سياسية حقيقية واستمراراً في الإجراءات وعدم التراجع أمام الضغوط، لأن العراقيين سئموا من فتح الملفات ثم إغلاقها من دون نتائج ملموسة”، مبيناً أن “المرحلة الحالية تمثل فرصة لإثبات أن القانون قادر على الوصول إلى جميع المتورطين واسترداد حقوق الدولة وأموال المواطنين”.
وتأتي هذه التطورات في وقت تؤكد فيه مصادر سياسية أن الحكومة تمضي في مراجعة ملفات وصفت بـ”الثقيلة”، تشمل قضايا تتعلق بعقود ومشاريع كبرى وتحويلها إلى القضاء عند توافر الأدلة، بالتزامن مع تنسيق متواصل بين الأجهزة الرقابية والقضائية والأمنية لتوسيع نطاق التحقيقات.
ويؤكد متابعون أن نجاح هذه الحملة لن يقاس بعدد أوامر القبض أو المؤتمرات الصحفية، وإنما بقدرتها على استرداد الأموال العامة، وإصدار أحكام قضائية رادعة، ومنع تكرار شبكات الفساد التي استنزفت موارد الدولة لعقود.
وشملت الحملة فتح تحقيقات وملاحقات قضائية بحق عدد من المسؤولين والموظفين في مؤسسات حكومية، من بينهم وكيل سابق في وزارة النفط، فضلاً عن مراجعة عقود حكومية وملفات مالية وإدارية يشتبه بوجود مخالفات فيها وإحالتها إلى الجهات المختصة.
وقد حظيت هذه الخطوات بتفاعل سياسي واسع، حيث عدّها نواب ومراقبون مؤشراً على جدية الحكومة في الانتقال من مرحلة التعهدات إلى التنفيذ، مطالبين في الوقت ذاته باستمرار الحملة ووصولها إلى جميع المتورطين دون استثناء أو انتقائية، بما يعزز ثقة الشارع بقدرة الدولة على محاسبة الفاسدين واسترداد المال العام.
وتوحي المؤشرات الحالية توحي بأن الحكومة تحاول ترسيخ مسار مختلف يقوم على توسيع دائرة المساءلة وتفعيل الأدوات القانونية والرقابية، بما يعزز هيبة الدولة ويرسل رسالة بأن مكافحة الفساد لم تعد تستهدف “السردين” وحدهم، بل تمتد إلى كل من يثبت تورطه في هدر المال العام، مهما كان موقعه أو نفوذه.



