اقتصادالعراقتحليلاتخاصرئيسية

العراق يوفر 8 تريليونات دينار بعد إغلاق ملف استيراد البنزين… خطوة اقتصادية تعيد التوازن للموازنة وتفتح باب التصدير لأول مرة

بغداد / عراق اوبزيرفر
في تحول اقتصادي يُعد من أبرز إنجازات العقدين الأخيرين، أعلن العراق رسميًا دخوله مرحلة الاكتفاء الذاتي الكامل من المشتقات النفطية، لينتقل من دولة تعتمد لعقود على استيراد البنزين والغاز وزيت الوقود إلى دولة منتجة ومصدرة قادرة على تلبية احتياجاتها الداخلية وفتح أبواب جديدة للتصدير الإقليمي والدولي. هذا الإعلان، الذي جاء عبر بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في الرابع من تشرين الثاني 2025، مثّل نقطة تحوّل في تاريخ الصناعة النفطية العراقية، بعد سنوات من العمل المتواصل لإعادة تأهيل وتشغيل المصافي الكبرى في كربلاء وبيجي والبصرة، وتوسيع خطوط الإنتاج لتلبية الطلب المتزايد داخليًا وخارجيًا.

أكد الباحث القانوني والمصرفي سيف الحلفي في تصريح خاص لـ”عراق أوبزيرفر” أن العراق حقق إنجازًا تاريخيًا غير مسبوق في مسار الصناعة النفطية، بعدما أعلن رسميًا دخوله مرحلة الاكتفاء الذاتي من المشتقات النفطية، لينتقل من موقع الدولة المستوردة إلى موقع المنتج والمصدّر، في خطوة وصفها بأنها “تحول نوعي في بنية الاقتصاد الوطني وفتح لبابٍ جديد نحو الصناعات التحويلية والطاقة النظيفة”.

وأوضح الحلفي أن قطاع تكرير النفط يمثل اليوم العمود الفقري للاقتصاد العراقي، كونه الجسر الذي يحوّل النفط الخام منخفض السعر إلى مشتقاتٍ حيوية مرتفعة القيمة مثل البنزين، الكاز، زيت الغاز، الغاز السائل، وبنزين الطائرات، مشيرًا إلى أن ارتفاع الطلب العالمي والمحلي على هذه المشتقات جعل من تطوير المصافي هدفًا استراتيجيًا للحكومة لتقليل الاستيراد والحفاظ على العملة الصعبة.

وأضاف أن الإعلان الصادر عن مكتب رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بتاريخ 4 تشرين الثاني 2025 أكد تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل بعد ثلاث سنوات من الجهود المكثفة لإعادة تأهيل وتشغيل المصافي العراقية، بما في ذلك مصفى كربلاء، ومصفى بيجي، وتوسعة مصفى البصرة (الشعيبة)، مبينًا أن هذه الخطوة “أدهشت شركات التكرير الأجنبية وأربكت التجار الذين اعتادوا تصدير المشتقات للعراق لسنوات طويلة”.

وبيّن الحلفي أن العراق يمتلك اليوم أكثر من عشر مصافٍ رئيسية موزعة بين الشمال والوسط والجنوب، لافتًا إلى أن مصفى كربلاء الذي افتتح رسميًا عام 2023 بطاقة 140 ألف برميل يوميًا يمثل نقلة نوعية بفضل استخدامه تقنيات صديقة للبيئة وإنتاجه وقودًا مطابقًا للمواصفات الأوروبية. أما مصفى البصرة (الشعيبة) فيعمل بطاقة 210 آلاف برميل يوميًا ويعد من أقدم المصافي في البلاد، فيما مصفى بيجي الذي أعيد تشغيله جزئيًا بعد تعرضه للدمار في الحرب ضد داعش يخطو نحو استعادة طاقته الكاملة البالغة 300 ألف برميل يوميًا.

وأشار الحلفي إلى أن مشاريع مصفى ميسان بطاقة 150 ألف برميل يوميًا ومصفى الفاو بطاقة 300 ألف برميل يوميًا ستجعل العراق لاعبًا إقليميًا في تصدير المشتقات النفطية، خصوصًا أن مصفى الفاو مصمم ليكون مصفًى استراتيجيًا لتصدير الوقود عالي الجودة إلى أوروبا وأمريكا ضمن مشاريع “طريق التنمية”.

وكشف أن القدرة التكريرية الحالية للعراق بلغت 1.3 مليون برميل يوميًا، على أن ترتفع إلى 1.6 مليون برميل يوميًا بعد اكتمال المشاريع، وهو ما سيمكن البلاد من تصدير الفائض وتحقيق عائدات بمليارات الدولارات سنويًا. كما أوضح أن تقليل الاستيراد سيؤدي إلى توفير نحو 3 مليارات دولار سنويًا كانت تُنفق على استيراد المشتقات، فضلًا عن تعزيز احتياطي العملة الصعبة وتحسين الموازنة العامة.

وأشار الحلفي إلى أن هذا التحول سينعكس مباشرة على حياة المواطنين من خلال تحسين جودة الوقود ورفع مستوى الأوكتان في البنزين ليلائم السيارات الحديثة، إضافة إلى تحسين نوعية الكاز والغاز السائل، وخلق آلاف فرص العمل في مجالات الصيانة والتشغيل والنقل والخدمات اللوجستية.

وفي الوقت نفسه، نبّه إلى وجود تحدياتٍ حقيقية قد تواجه هذا النجاح، أبرزها تهريب المشتقات النفطية نتيجة فروقات الأسعار بين العراق والدول المجاورة، إضافة إلى قدم بعض المصافي مثل الدورة والبصرة التي تحتاج إلى تحديث شامل. كما أشار إلى نقص الطاقة الكهربائية والمياه الصناعية التي تؤثر على استمرارية تشغيل بعض الوحدات الإنتاجية، داعيًا الحكومة إلى وضع سياسة سعرية متوازنة تشجع الاستثمار وتحافظ على الجدوى الاقتصادية للمشاريع.

وبيّن أن الحكومة العراقية تعمل على ربط المصافي الجديدة بخطوط أنابيب التصدير والنقل الداخلي لضمان توزيع عادل للمشتقات بين المحافظات، إضافة إلى تشجيع الاستثمار الأجنبي عبر نظام الشراكة (BOT) في مصافي الناصرية والفاو، بهدف تعزيز الشفافية والكفاءة التشغيلية.

وأكد الحلفي أن هذا التطور الكبير يعكس رؤية الحكومة الاستراتيجية في التحول من دولة مصدّرة للنفط الخام إلى دولة مصنعة للمشتقات النفطية ذات القيمة المضافة العالية، مبينًا أن اكتمال مشاريع كربلاء وميسان والفاو سيمكّن العراق من دخول نادي الدول المكرّرة للنفط بثقة، ويضعه في موقع الريادة الإقليمية بمجال الطاقة والتكرير.

وختم الحلفي تصريحه بالقول: “إن ما يجري اليوم في قطاع التكرير ليس مجرد إنجاز فني، بل هو انتصار اقتصادي وطني. العراق يكتب صفحة جديدة من تاريخه الصناعي، صفحة عنوانها الاكتفاء والإنتاج والتصدير، لا التبعية والاستيراد. ومع هذا التحول، تقترب البلاد من تحقيق حلم المصافي العابرة للحدود، لتتحول من مستوردٍ للوقود إلى مصدرٍ للقدرة”.

يُنتج العراق يوميًا نحو 4 ملايين برميل من النفط الخام، إلا أنه كان حتى وقت قريب يواجه معادلة اقتصادية خاسرة في سوق المشتقات، إذ كان يبيع لتر النفط الخام بأقل من 50 دينارًا، ثم يستورده لاحقًا على شكل بنزين بسعر يصل إلى 1200 دينار للتر الواحد، قبل أن يُعاد بيعه للمواطنين بنحو 450 دينارًا فقط، ما تسبب بخسائر سنوية تقدَّر بنحو 6 مليارات دولار، أي ما يقارب 8 تريليونات دينار عراقي.

هكذا، يتحول العراق اليوم من مستهلك للوقود إلى مُنتج ومصدّر له، في خطوة تعيد رسم ملامح اقتصاده الوطني وتفتح أمامه آفاقًا جديدة للتنمية الصناعية والطاقة النظيفة. ومع استمرار مشاريع المصافي العملاقة في ميسان والفاو والناصرية، تقترب البلاد من مرحلة جديدة تُكتب فيها معادلة الاقتصاد العراقي بمداد من النفط المكرر لا الخام، وبعائداتٍ تعزز السيادة الاقتصادية وتؤسس لمستقبل يعتمد على الإنتاج لا التبعية، وعلى التخطيط الاستراتيجي لا الارتجال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { if (document.querySelector("nojq")) { document.querySelector("nojq").addEventListener("click", function() { console.log("Element clicked!"); }); } });