
بغداد / عراق اوبزيرفر
في الوقت الذي تستعد فيه القوى السياسية العراقية لخوض الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، برزت إلى الواجهة قضية مثيرة للجدل تتعلق بإمكانية إلزام المرشحين للانتخابات النيابية بإجراء فحوص طبية خاصة بالمخدرات، وذلك لضمان نزاهة العملية السياسية ومنع أي مدمن أو متعاطٍ من الوصول إلى قبة البرلمان.
هذه الفكرة التي طُرحت في النقاشات العامة وأخذت صدى واسعاً في الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، أثارت تساؤلات كبيرة عن مدى قانونيتها وصلاحيات الجهات المعنية في فرضها، وسط تباين حاد في المواقف بين من يراها خطوة إصلاحية ضرورية لتعزيز ثقة الشارع بالعملية الانتخابية، وبين من يعتبرها أداة سياسية قد تُستغل في إقصاء المنافسين وتضييق مساحة التنافس المشروع.
*المفوضية: لا تعليمات رسمية
المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، بصفتها الجهة التنفيذية المسؤولة عن إدارة العملية الانتخابية، قطعت الجدل من جانبها بالتأكيد على أنها لم تتسلم أي تبليغ رسمي أو قرار يتعلق بهذا الموضوع.
مساعد المتحدث باسم المفوضية نبراس أبو سودة، أوضحت في حديث خاص لـ “عراق أوبزيرفر”، أن “المفوضية تعمل حصراً وفق ما نص عليه الدستور والقوانين النافذة، وتنفذ إجراءاتها ضمن حدود الصلاحيات الممنوحة لها، مشددة على أن ما يجري تداوله حالياً قد لا يتعدى كونه مجرد مقترحات أو طروحات من قبل بعض الجهات السياسية أو المجتمعية”.
وأضافت أبو سودة، أن “المفوضية ليست معنية باتخاذ أي إجراء من هذا النوع ما لم يتم تشريعه قانونياً من قبل البرلمان أو إبلاغها به رسمياً عبر مؤسسات الدولة، لافتة إلى أن مسؤولية المفوضية هي تنظيم الانتخابات وضمان نزاهتها وشفافيتها، وليس فرض إجراءات جديدة لم ينص عليها القانون النافذ”.
*مطلب منطقي يصطدم بالتطبيق
المحلل السياسي مجاشع التميمي علّق على هذا الجدل بالقول إن فكرة إخضاع المرشحين لفحص المخدرات قد تبدو منطقية، لاسيما وأن قانون المفوضية يشترط توفر حسن السيرة والسلوك في أي مرشح للانتخابات، لكن المشكلة تكمن في التطبيق العملي.
وأوضح التميمي في حديث لـ عراق اوبزيرفر، أن “المعيار القانوني لحسن السيرة والسلوك يرتبط عادةً بالسجل الجنائي والأحكام القضائية المكتسبة للدرجة القطعية، بينما الفحص الطبي لا يُعد دليلاً قانونياً قاطعاً على الإدانة أو الإخلال بالشروط الدستورية للترشح”.
وأكد أن “إخضاع المرشحين لفحوص كهذه قد يفتح الباب أمام جدل قانوني واسع، وربما يتحول إلى أداة سياسية لإقصاء الخصوم أو التشكيك بسمعتهم في حال غابت معايير واضحة ومنصفة”.
ومع ذلك، يرى التميمي أن الفكرة لو طُبقت بشكل سليم ووفق تعديل تشريعي واضح، فإنها قد تسهم في تعزيز ثقة الجمهور بالمترشحين والعملية الانتخابية عموماً، مبيناً أن الشارع العراقي فقد الكثير من ثقته بالمؤسسات السياسية، وبالتالي فإن أي خطوة جادة لتعزيز النزاهة والشفافية ستكون موضع ترحيب شعبي واسع.
*ضمانة للنزاهة ومطلب شعبي
من جانبه، أكد الخبير في الشأن الانتخابي سعيد كاكائي أن فرض فحوص المخدرات على المرشحين يمثل خطوة من شأنها حماية العملية الديمقراطية وضمان نزاهة ممثلي الشعب، معتبراً أن البرلمان يجب أن يخضع لمعايير صارمة تمنع وصول أي شخص متورط في التعاطي أو الإدمان إلى موقع تشريعي.
وبيّن كاكائي في تصريح تابعته “عراق أوبزيرفر”، أنه لا يوجد في الوقت الحالي أي إجراء قانوني ملزم يفرض على المرشحين الخضوع لمثل هذه الفحوص، لكن بما أن المفوضية هي هيئة مستقلة تنفيذية، فمن الممكن أن تستند إلى الإجراءات الإدارية المعمول بها في مؤسسات الدولة الأخرى لفرض هذا الشرط، خصوصاً أن النائب هو موظف دولة، ومسؤوليته لا تقل عن أي موظف يخضع لتدقيق وفحص عند تعيينه.
وأضاف أن إجراء فحص المخدرات ليس استهدافاً سياسياً بل ضرورة لضمان نزاهة المرشحين، مشدداً على أن وجود مدمنين في مواقع القرار يشكل خطراً مضاعفاً على البلاد، إذ إن النائب لا يمثل نفسه فقط بل يمثل إرادة شعبية ويشرّع قوانين تمس حياة ملايين المواطنين.
*غياب التشريع يعمّق الجدل
في المقابل، يحذر بعض القانونيين من أن غياب سند تشريعي واضح يجعل أي إجراء من هذا النوع عرضة للطعن والإلغاء، حتى لو تبنته المفوضية أو أية جهة تنفيذية أخرى. فالدستور العراقي حدد شروط الترشح، وقانون المفوضية رسم معايير واضحة تتعلق بالعمر والجنسية وحسن السيرة والسلوك، لكن لم يُذكر فيه أي شرط طبي أو صحي متعلق بالتعاطي أو الإدمان.





