
بغداد/ عراق أوبزيرفر
تشهد الساحة العراقية واحدة من أكثر الحملات الانتخابية تكلفة منذ عام 2003، بعدما تحوّل السباق البرلماني إلى ساحة يتصدرها المال السياسي بدلاً من البرامج الانتخابية، وسط غياب شبه كامل للرقابة على مصادر التمويل وضعف إجراءات المحاسبة.
وفي مختلف المدن، امتلأت الشوارع بلافتات ضخمة وصور المرشحين، حتى تحوّلت الحملات إلى منافسة على الحجم والموقع لا على الأفكار والمشاريع. وتُظهر مشاهد العاصمة بغداد ومدن الجنوب ارتفاعاً غير مسبوق في الإنفاق الدعائي، في وقت تؤكد فيه الأوساط السياسية أن المشهد الانتخابي الحالي يعكس هيمنة المال والنفوذ على مجمل العملية الديمقراطية.
وتقدّر دراسات ميدانية وسياسية أن متوسط ما ينفقه المرشح الواحد في الحملة يبلغ نحو مليار وأربعمئة مليون دينار، فيما تصل الكلفة لدى بعض المرشحين إلى أكثر من خمسة مليارات.
وباحتساب عدد المرشحين المسجلين في الانتخابات، والبالغ 7,926 مرشحاً، فإن مجموع الإنفاق يُقدّر بأكثر من 11 تريليون دينار عراقي، أي ما يعادل نحو 8.4 مليارات دولار، وهو رقم يوازي ميزانية محافظات كاملة.
ورغم أن تعليمات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات تحدد سقفاً قانونياً للإنفاق لا يتجاوز 250 ديناراً عن كل ناخب في الدائرة الانتخابية، أي ما يقارب مليار دينار في بغداد و128 مليوناً في المثنى، إلا أن هذه الحدود لم تعد تُطبق فعلياً، إذ تجاوزها المرشحون بعشرات الأضعاف دون رادع حقيقي، فيما اقتصرت العقوبات على غرامات رمزية لا تتعدى بضعة ملايين.
وتلجأ بعض الأحزاب إلى تمويل غير مباشر لحملاتها عبر شركات ومقاولين أو من خلال مشاريع خدمية مؤقتة تُموّل من المال العام لتكريس نفوذها الانتخابي في المناطق الشعبية، في ظل ضعف أدوات المراقبة لدى المفوضية وهيئة النزاهة والبنك المركزي.
وقال الباحث في الشأن السياسي عبدالغني الغضبان لـ”عراق أوبزيرفر” إن “الانتخابات المقبلة تتصدرها رؤوس الأموال لا البرامج، إذ تحوّل التنافس السياسي إلى صراع على حجم الصور واللافتات بدلاً من التنافس على الأفكار والخطط”.
وأضاف أن “المال الانتخابي أصبح العامل الحاسم في تحديد مواقع القوى داخل البرلمان، ما أفقد العملية مضمونها الديمقراطي، وأدى إلى تراجع ثقة المواطنين الذين باتوا يرون الانتخابات ساحة لتوزيع النفوذ لا لبناء الإصلاح”.
وأشار الغضبان إلى أن “بعض الأحزاب تموّل حملاتها عبر شبكات اقتصادية تابعة لمقاولين أو فصائل مسلحة، ما يجعل المال الانتخابي وسيلة لتبييض الأموال واستغلال النفوذ السياسي، في ظل غياب رقابة فاعلة من الجهات الرسمية”.
ويحذر مختصون من أن استمرار هذا الواقع قد يؤدي إلى مزيد من العزوف الشعبي، بعدما فقدت الانتخابات مضمونها التنافسي الحقيقي، وباتت تُدار وفق من يمتلك المال لا من يمتلك الرؤية.



