
بغداد/ عراق أوبزيرفر
مع انحسار التصعيد الإقليمي بين إيران والكيان “الإسرائيلي”، لا تزال مؤشرات التوتر ماثلة في العراق، وسط تحركات أميركية متزايدة تستهدف فصائل مسلحة تقول واشنطن إنها تلعب أدوارًا خارج سلطة الدولة.
وبينما يحاول العراق تجنّب الانزلاق إلى أي مواجهة مباشرة، تزداد الضغوط على منظومته الأمنية التي تعاني أصلاً من إشكالية بنيوية تتعلّق بعلاقة الفصائل المسلحة بالمؤسسات الرسمية.
ففي الوقت الذي تبدو فيه الحالة اللبنانية واليمنية أكثر وضوحًا من حيث تموضع الفصائل خارج أطر الدولة، تبقى الساحة العراقية متفردة بتشابك أمني – سياسي فريد.
فالفصائل هنا، وفق خبراء، تمتلك تمثيلاً برلمانيًا، وتحظى بغطاء قانوني عبر مؤسسة الحشد الشعبي، لكنها في الوقت نفسه تتبنّى أدوارًا ميدانية “مستقلة” تحت عنوان “المقاومة” ما يجعل مشهد الأمن العراقي غارقًا في الازدواجية.
بدوره، قال الباحث في الشأن الأمني كاظم ياور إن “الفصائل العراقية عندما تتعرض لضغط خارجي أو عقوبات، تلجأ إلى مؤسسات الدولة مثل الحشد الشعبي للحصول على غطاء قانوني وسياسي”
وأوضح لـ”عراق أوبزيرفر” أن “هذا التشابك يفرض على الدولة العراقية منح نوع من الحصانة الدستورية لتلك الفصائل، خاصة في ظل امتلاكها حواضن سياسية داخل البرلمان، ما يجعل من الصعب التمييز بين الفصيل الخارج عن الدولة والآخر المندمج فيها”.
ويضيف ياور أن ما يزيد المشهد ضبابية هو أن “بعض الفصائل تعلن خلال فترات الهدوء الأمني انفصالها عن الحشد، لكنها سرعان ما تعود إليه عند أول أزمة أو تهديد خارجي، وهذه الازدواجية تُربك كل محاولات واشنطن للتعامل مع الملف الأمني العراقي، وتُبقي الوضع في دائرة التباسات مزمنة”.
ازدواجية السلطة والتمثيل السياسي
ولا تقف المشكلة عند البعد الأمني فقط، فداخل البرلمان نفسه توجد “نواة نيابية” تعود بالولاء لقيادات فصائل بارزة، ما يجعل محاولات فصل الأمن عن السياسة في العراق شبه مستحيلة، خاصة وأن بعض هؤلاء النواب لا يخفون تبنّيهم الخطاب المقاوم، بل يشرعنون وجود الفصائل ويمنحونها غطاءً سياسياً مباشراً، وهو ما يتناقض مع دعوات سابقة للمرجعية الدينية العليا التي طالبت بحصر السلاح بيد الدولة، ومطالبات التيار الصدري بتفكيك الفصائل.
ويزداد المشهد تعقيداً في العراق حين تدخل الأبعاد الاقتصادية على الخط، خصوصاً ما يتعلق بصرف رواتب الحشد الشعبي.
فقد تسببت العقوبات الأميركية واشتراطات نظام الامتثال المالي بإرباك في التحويلات المصرفية لرواتب بعض الألوية، وسط معلومات عن أن فصائل غير مدرجة فعلياً ضمن الحشد تستفيد من المخصصات الرسمية، في وقت تعلن فيه على الإعلام أنها “فصائل مستقلة”.
وفي ظل هذه التوترات، لوحظ خلال الأسابيع الأخيرة غياب عدد من قادة الفصائل عن المشهد الإعلامي، في ما يبدو أنه إجراء احترازي لتفادي التصعيد الأميركي المحتمل.
ويرى مراقبون أن هذا الانكفاء المؤقت قد لا يعني نهاية الدور، بل هو إعادة تموضع استعدادًا لمرحلة ما بعد الهدوء، خصوصاً إذا تصاعدت الضغوط الغربية لتنفيذ إصلاحات أمنية حقيقية.




