
بغداد/ عراق أوبزيرفر
في ظل التقلبات المتسارعة التي تشهدها أسواق النفط العالمية، يواجه العراق اختباراً جديداً لقدرته على الحفاظ على الاستقرار المالي، مع تراجع الأسعار إلى ما دون حاجز الستين دولاراً للبرميل، وما يرافق ذلك من ضغوط على الموازنة العامة والإنفاق الحكومي، غير أن خبراء اقتصاديين يؤكدون أن البلاد ما زالت تمتلك هامشاً من المناورة يمكّنها من تجاوز المرحلة، شريطة اعتماد سياسات مالية أكثر انضباطًا وتنويع مصادر الإيرادات.
ويرى الخبير الاقتصادي صفوان قصي في حديث لوكالة “عراق أوبزيرفر”، أن “انخفاض أسعار النفط لا يشكل تهديدًا مباشرًا لقدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها الأساسية”، موضحاً أن “العراق قادر على الاستمرار في دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين، وتمويل السلة الغذائية وشبكات الرعاية الاجتماعية، حتى في حال تراجع الأسعار إلى حدود 45 دولارًا للبرميل”.
وأشار إلى أن “الإيرادات المتحققة فوق هذا المستوى يمكن توجيهها لتسديد مستحقات الشركات النفطية، وخدمة الديون، ودعم المشاريع الاستثمارية الجارية”.
وأضاف قصي أن “وزارة المالية تمتلك أصولاً كبيرة، تتجاوز قيمتها 500 مليار دولار، فضلًا عن حصص من أرباح الشركات العامة، ما يتيح لها استخدام أدوات مالية متنوعة لسد العجز، من بينها الأسهم العقارية والنفطية”.
وشدد على “أهمية الإسراع بتنفيذ مشاريع الربط الكهربائي وتشغيل المصافي العراقية بكامل طاقتها، لتقليل الطلب على الدولار المخصص لاستيراد الطاقة، إلى جانب فرض رسوم جمركية على السلع الكمالية للحد من استنزاف العملة الصعبة”.
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي عبد الرحمن الشيخلي لوكالة “عراق أوبزيرفر”، إن “أسعار النفط مرشحة لمزيد من الضغوط نتيجة عوامل سياسية واقتصادية متشابكة، أبرزها التطورات في فنزويلا ودخول الشركات الأميركية على خط استيراد النفط الثقيل بأسعار تقل عن المعدلات العالمية”.
وبيّن، أن “صادرات فنزويلا، التي لا تتجاوز 900 ألف برميل يومياً، لن تحدث صدمة كبيرة في الأسواق، خاصة مع قدرة منظمة أوبك على تعديل مستويات الإنتاج عند الحاجة”، مشيرا الى أن “الولايات المتحدة، عبر شركات كبرى مثل شيفرون، تسعى إلى الاستفادة من هذه الظروف لتخفيف الضغط على إنتاج النفط الصخري، في إطار سياسة تهدف إلى إبقاء الأسعار عند مستويات منخفضة”.
ولفت الشيخلي إلى أن “النفط العراقي يتمتع بميزة تنافسية مهمة، كونه من النوع الخفيف وقليل الكلفة، إذ تتراوح كلفة استخراجه بين 6 و16 دولارًا للبرميل، ما يجعله أكثر جذباً للأسواق العالمية، لا سيما مع توقعات بزيادة الطلب من الصين على نفوط الخليج عقب تراجع اعتمادها على النفط الفنزويلي”.
بدوره، أوضح الباحث في الشأن الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني لوكالة “عراق أوبزيرفر”، أن “العراق يعتمد آلية تسعير شهرية لبيع النفط بالآجل، تقوم على احتساب متوسط سعر البرميل على مدى ثلاثين يوماً، نصفها قبل البيع والنصف الآخر بعده، بما يضمن توازن مصالح البائع والمشتري”، مشيرا الى أن “هذه الآلية معمول بها في معظم الدول المنتجة للنفط، في حين تختلف أسعار البيع الفوري لاعتمادها على حركة السوق اللحظية”.
وبين المشهداني أن “انخفاض سعر البرميل دولارًا واحدًا عن السعر المخطط يكلّف الحكومة خسائر تقدر بنحو 3.4 ملايين دولار يوميًا، أي ما يقارب 102 مليون دولار شهريًا وأكثر من 1.2 مليار دولار سنويًا. ورغم ذلك”، موضحا أن “الحكومة ما زالت قادرة على دفع الرواتب، إذ تبلغ الإيرادات النفطية عند سعر 55 دولارًا للبرميل نحو 7.25 تريليونات دينار شهريًا، تضاف إليها إيرادات غير نفطية تقارب تريليون دينار، وهو ما يغطي فاتورة الرواتب البالغة نحو 8 تريليونات دينار، مع الإشارة إلى أن بقية النفقات الحكومية قد تستدعي اللجوء إلى الاقتراض”.
وبين ضغوط السوق العالمية وتحديات الداخل، يبرز العراق أمام فرصة لإعادة صياغة سياساته الاقتصادية على أسس أكثر تنوعًا واستدامة، فالتقلبات المرتبطة بالأوضاع في فنزويلا، وإن ألقت بظلالها على الأسواق، بقي تأثيرها محدودًا ومؤقتًا، ما يؤكد أن تعزيز استثمار الأصول الوطنية وتطوير البنية التحتية للطاقة يمثلان السبيل الأمثل لتقليل الاعتماد الأحادي على النفط وحماية الاستقرار المالي على المدى الطويل.



