
بغداد/ عراق أوبزيرفر
مع دخول الحرب الإقليمية مراحل أكثر تعقيدًا، تتجه الأنظار في العراق إلى التأثيرات الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة التي بدأت تظهر تدريجيًا، في ظل ارتباط الاقتصاد العراقي شبه الكامل بعائدات النفط، وتحديدًا الصادرات التي تمر عبر الممرات الحيوية في الخليج، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
ويواجه العراق اليوم اختبارًا اقتصاديًا حقيقيًا، إذ لم تعد الأزمة محصورة في البعد الأمني أو السياسي، بل امتدت إلى صلب الاستقرار المالي والمعيشي، وسط مخاوف من تحوّل الأزمة إلى ضاغط طويل الأمد على بنية الاقتصاد الوطني.
بدوره قال الخبير الاقتصادي علي دعدوش إن “العراق بات مكبلاً اقتصاديًا وسياسيًا، مع تعطل قدرته على تمويل نفقاته الأساسية، وفي مقدمتها الرواتب والأجور، نتيجة تعذر تصدير النفط عبر مضيق هرمز، ما أدى إلى انقطاع حاد في تدفق الإيرادات الخارجية التي تمثل العمود الفقري للموازنة العامة”.
وأضاف دعدوش لـ”عراق أوبزيرفر” أن “تعطل الصادرات النفطية يعني عمليًا فقدان المصدر الرئيسي للإيرادات، الأمر الذي يضع الحكومة أمام عجز مالي مباشر، ويحدّ من قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها التشغيلية، خصوصًا أن إدارة هذه النفقات تتركز في بغداد”.
وأشار إلى أن التداعيات بدأت تتشكل عبر مسارات مترابطة، إذ تتجه الحكومة إلى الاعتماد المكثف على الاحتياطيات النقدية لتعويض غياب الإيرادات، ما يسرّع من وتيرة استنزافها ويقلّص قدرتها على الاستمرار في تمويل الإنفاق العام، وفي الوقت نفسه، يؤدي تراجع تدفقات الدولار إلى السوق المحلية إلى خلق فجوة واضحة بين العرض والطلب، ما يدفع نحو اضطراب سعر الصرف وارتفاعه في السوق الموازي، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات”.
وبيّن أن “هذه التطورات تقود إلى موجة تضخمية متسارعة، خاصة في بغداد التي تمثل مركز الاستهلاك الأكبر، حيث ترتفع تكاليف المعيشة نتيجة زيادة كلفة الاستيراد وتراجع قيمة العملة المحلية، ولا سيما في قطاعات الغذاء والدواء والطاقة، كما أن تراجع الإنفاق الحكومي، الذي يشكّل المحرك الرئيسي للنشاط الاقتصادي، يؤدي إلى حالة من الركود الواسع، وانكماش في الأسواق والقطاعات الخدمية والتجارية، وهو ما ينعكس على فرص العمل ومستويات الدخل”.
في المقابل، يرى مختصون أن توقف الحرب لا يعني بالضرورة عودة فورية للاستقرار الاقتصادي، بل يفتح مرحلة جديدة من التحديات وإعادة التوازن، فمن المتوقع أن تشهد الأسواق النفطية تقلبات حادة في الأسعار، قد تتجه نحو الانخفاض بعد زوال المخاطر الجيوسياسية، ما يعني تراجع الإيرادات مقارنة بفترة الذروة التي ترافق النزاعات”.
كما أن عودة الصادرات النفطية تدريجيًا ستخفف الضغط على الاحتياطيات النقدية، وتعيد التوازن النسبي إلى سوق الصرف، إلا أن آثار التضخم التي تراكمت خلال فترة الحرب لن تزول بسرعة، ما يبقي مستويات الأسعار مرتفعة لفترة زمنية.
وفي السياق ذاته، ستحتاج الحكومة إلى إعادة تنشيط الدورة الاقتصادية عبر زيادة الإنفاق الاستثماري وتحفيز القطاع الخاص، بعد فترة من الركود والانكماش، فضلًا عن معالجة الاختلالات التي كشفتها الأزمة، وفي مقدمتها الاعتماد شبه الكلي على النفط كمصدر وحيد للإيرادات.
ويؤكد مراقبون أن مرحلة ما بعد الحرب قد تفرض على العراق مراجعة عميقة لسياساته الاقتصادية، تتجه نحو تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الاستقلال المالي، وتقليل التأثر بالصدمات الخارجية، خصوصًا في ظل تكرار الأزمات الإقليمية التي تنعكس بشكل مباشر على الداخل العراقي.




