
بغداد / عراق اوبزيرفر
تعيش العلاقات العراقية – الفرنسية في السنوات الأخيرة حالة من الزخم اللافت، وسط تحولات إقليمية ودولية عميقة أعادت رسم خرائط النفوذ والمصالح في الشرق الأوسط. ففرنسا، التي لطالما سعت إلى تعزيز حضورها في المنطقة، باتت ترى في العراق نافذة أساسية لتحقيق توازن داخل الاتحاد الأوروبي، ومنافسة النفوذين الأميركي والإيراني. وفي المقابل، تنظر بغداد إلى باريس بوصفها شريكاً سياسياً واقتصادياً أقل إملاءً من القوى الكبرى الأخرى، وأكثر مرونة في التعاطي مع الأولويات الوطنية العراقية، سواء في ملف الطاقة أو البنى التحتية أو الأمن.
*ليست مجرد علاقة تقليدية
الخبير السياسي مجاشع التميمي أوضح في تصريح خاص لـ(عراق أوبزيرفر) أن ما يجري بين بغداد وباريس ليس مجرد علاقات ثنائية تقليدية، بل تحالف قيد التشكيل، يعكس تقاطع المصالح وتنامي الحاجة المتبادلة. فالعراق الذي يسعى لإعادة توازن سياساته الخارجية، يحتاج إلى شريك أوروبي قادر على الاستثمار دون شروط سياسية ضاغطة، فيما تبحث فرنسا عن موطئ قدم جديد يضمن لها النفاذ إلى ملفات المنطقة الحساسة، ويعزز حضورها كفاعل مستقل عن الهيمنة الأميركية.
هذا التلاقي بدا واضحاً في الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني في 30 آب الماضي، والذي ناقش خلاله الجانبان مسارات التعاون والشراكة بين البلدين، وسبل تفعيل الملفات المشتركة. السوداني شدد في الاتصال على أهمية الزيارة المرتقبة لماكرون إلى بغداد، مشيراً إلى أنها ستحمل في طياتها ملفات اقتصادية وأمنية كبرى، من تعزيز الاستثمارات الفرنسية في مجال الطاقة، إلى توسيع التعاون العسكري والأمني، مروراً بدعم العراق في استعادة دوره الإقليمي.
ولم يغب عن حديث السوداني البعد السياسي الإقليمي، إذ جدّد تقدير العراق للموقف الفرنسي المبدئي من القضية الفلسطينية، معتبراً أن الانتهاكات في الأراضي المحتلة تمثل سابقة خطيرة تهدد الاستقرار الدولي. كما أشار إلى جهود الحكومة في الدعوة لعقد مؤتمر إقليمي في بغداد لبحث قضايا المنطقة، محذراً من خطر اندلاع حرب جديدة تهدد أمن الشرق الأوسط، ومؤكداً أن العراق مستعد للعمل مع فرنسا وسائر الشركاء، بما في ذلك إيران والولايات المتحدة، لتفادي الانزلاق إلى مواجهة جديدة.
*ماكرون مُعجب باستقرار العراق
ماكرون من جانبه لم يُخفِ إعجابه بالمستوى الأمني والاستقرار النسبي الذي يشهده العراق، معتبراً أن هذه البيئة تشكل فرصة لإطلاق مشاريع استراتيجية، مؤكداً تطلع بلاده لمواصلة دعم بغداد، وحرصه على أن تكون زيارته المقبلة محطة لترسيخ علاقة استراتيجية طويلة الأمد.
*تأجيل الزيارة
لكن هذه الزيارة التي كانت مقررة في 11 أيلول الجاري أُجّلت، وفق ما كشفه ممثل حكومة إقليم كردستان في فرنسا، علي دولمري.
وقال دولمري في لقاء متلفز تابعته عراق أوبزيرفر إن تأجيل الزيارة يعود إلى التطورات السياسية المعقدة في المنطقة والعالم، فضلاً عن انشغال ماكرون بالحرب في أوكرانيا، ليتم تحديد نهاية العام الحالي موعداً بديلاً لها. هذا التأجيل، وإن كان مرتبطاً بظروف دولية، إلا أنه لم يلغِ مناخ الترقب في بغداد، حيث تُعتبر الزيارة الفرنسية فرصة استراتيجية لا يمكن التفريط بها.
من الناحية العملية، يترقب العراق أن تفتح الزيارة المؤجلة الباب أمام توقيع اتفاقيات ملموسة، خاصة في مجال الطاقة، حيث تمتلك الشركات الفرنسية، مثل “توتال إنرجي”، خبرة واسعة ورغبة في توسيع استثماراتها داخل العراق. وإلى جانب الطاقة، هناك ملفات البنى التحتية والنقل والتسلح، حيث أبدت باريس استعدادها لتزويد العراق بتقنيات عسكرية حديثة، وتطوير قدرات القوات الأمنية، بما يساهم في تعزيز سيادة الدولة واستقرارها.
وبحسب التميمي، فإن “البعد الآخر للزيارة يكمن في رغبة العراق بتثبيت سياسة خارجية متوازنة. فبغداد تسعى منذ سنوات للخروج من أسر سياسة المحاور، وعدم الارتهان الكامل لأي طرف دولي أو إقليمي”. وهنا تبرز فرنسا كخيار مناسب، إذ تقدم نفسها كحليف داعم دون ضغوط ثقيلة. وهذا ما يمنح باريس فرصة نادرة لتكريس نفسها كقوة أوروبية قريبة من بغداد، قادرة على لعب دور الوسيط أو الجسر بين العراق وشركائه الآخرين.
في المحصلة، فإن تأجيل زيارة ماكرون لم يبدد التوقعات الكبيرة المعلّقة عليها. بل ربما ساهم في رفع سقف الانتظار، إذ يعتقد مراقبون أن باريس وبغداد ستسعيان إلى أن تكون نهاية العام الحالي نقطة تحول في علاقاتهما.




