آراء

فوضى التوقيتات الدستورية

بعدما قررت المحكمة الاتحادية العراقية، اليوم الاثنين الموافق 2021/12/27، رد دعوى إلغاء نتائج الانتخابات التي جرت في العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، والتي سبق أن تقدم بها رئيس تحالف “الفتح” هادي العامري، وصادقت على النتائج رسمياً، وفي يوم الاحد الموافق 2022/1/9 عقد مجلس النواب اولى جلساته وانتخب برئاسة رئيس السن “خالد الدراجي” وانتخب بهذه الجلسة محمد ريكان الحلبوسي رئيساً لمجلس النواب، نجد هنا ان الفوضى بدأت تتجاوز على التوقيتات التي حددها الدستور، إذ انَّ بعد ثلاث جلسات عُقدت لانتخاب رئيس الجمهورية، خلال شهرين متتالين، لم تُفض إلى شيء، بسبب عدم اتفاق هذين التحالفين الكبيرين على طريقة إدارة الدولة، حيث يرغب الصدر، وتحالفه “إنقاذ الوطن”، بتأليف حكومة أغلبية سياسية، يديرها تحالفه فقط، بينما يسعى الإطار التنسيقي إلى تشكيل حكومة توافقية يشترك فيها الجميع.
وبعد ان مضى ما يربو عام على إعلان نتائج الانتخابات التشريعية المبكرة في العراق وإلى اليوم الجميع يعيش في حالة من عدم اليقين، بسبب ما آلت إليه الأوضاع العامة في العراق، فلا اتفاق على رئاسة الجمهورية ولا على مرشح لرئاسة مجلس الوزراء، بل لم تتبلور الكتلة النيابية القادرة على تشكيل مؤسسات السلطة التنفيذية للبدء ببرنامج حكومي.
ولو عدنا إلى الدستور العراقي للعام 2005 نجد ان بعض مواده تضمنت مددًا دستورية كالمادة (72) التي أشارت إلى استمرار رئيس الجمهورية في منصبه عند انتخاب مجلس النواب الجديد الذي عليه ان ينتخب رئيساً جديداً للبلاد بمدة ثلاثين يومًا من انعقاد الجلسة الأولى بأغلبية ثلثي الأصوات، وعندها تبدأ العجلة بالدوران، وعقدت أول جلسة للبرلمان الجديد في يناير الماضي وجرى العرف أن يكون الرئيس كرديًا.
على الرغم من خرق الكتل السياسية للدستور بشكل متكرر فإن تلك الخروق لم تكن بهذا الوضوح، إذ تبحث تلك الأحزاب عن مخارج قانونية وتفسيرات متعسفة، لكن ما حصل في مسألة انتخاب الرئيس، كان خرقًا فاضحًا.
للأسف إلى هذه اللحظة لا توجد حلول قانونية لموضوع الانسداد وليس هناك جزاءات قانونية لمخالفة التوقيتات الدستورية، جزاء المخالفة هو سخط الناس وعطب شرعية الحكم، وبتراكم هذين العنصرين الكمي قد يؤدي الى تحول كيفي ليصل إلى حد الانقلاب الكامل على النظام.
انَّ الكتل السياسية تدرك مقدار الضغط ولديها رغبة في تجاوز العقبات ولكنها حتى الان، لأنها لا تملك الشجاعة الكافية للتنازل عن بعض مواقفها.
اما في سياق قرارات المحكمة الاتحادية في هذا الشأن فأنها أصدرت قرارين مهمين وهما:
القرار الأول: عندما أصدرت المحكمة بتاريخ 2022/2/3، تفسيرًا للمادة (70/ أولاً) من الدستور لبيان الأغلبية الواجب توافرها للشروع بالتصويت على انتخاب رئيس الجمهورية، استجابة لطلب برهم صالح.
ونص التفسير: “ينتخب مجلس النواب رئيسًا للجمهورية من المرشحين لرئاسة الجمهورية بأغلبية ثلثي مجموع أعضاء مجلس النواب الكلي ويتحقق النصاب بحضور ثلثي مجموع عدد أعضاء مجلس النواب الكلي”.
ان هذا التفسير قطع الشك في اليقين ضاربًا مشروع الأغلبية الوطنية الذي ينادي به التيار الصدري والتحالف الثلاثي (تحالف إنقاذ وطن) بالصميم، إذ أصبح من الصعب جدًا انعقاد جلسة مجلس النواب لانتخاب رئيس الجمهورية من غير موافقة وحضور الكتل المعارضة وخصوصًا كتلتي الإطار التنسيقي والاتحاد الوطني الكوردستاني.
القرار الثاني: عندما أعلنت المحكمة الاتحادية العليا بالعراق، يوم الأربعاء الموافق 2022/9/7، رفض دعوى حل البرلمان المرفوعة أمامها من التيار الصدري لعدم الاختصاص.
وقالت المحكمة في بيان صدر عقب جلسة النطق بالحكم على الدعوى رقم 132، إن “اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا محددة بموجب المادة (93) من الدستور، والمادة (4) من قانون المحكمة الاتحادية العليا وليست من ضمنها حل البرلمان”.
وفسر القرار الثاني بهذا الخصوص ان توصيات المحكمة الاتحادية بهذا القرار هي رسالة ضمنية بضرورة حل مجلس النواب بسبب فقدان شرعيته وتجاوزه أكثر من مرة المدد الدستورية الموجودة في الدستور العراقي أي بمعنى ان أي عمل يتم الترتيب له مستقبلاً من قبل مجلس النواب العراقي سيتم الطعن، ودائماً ما تحاول السلطة القضائية “المحكمة الاتحادية ” ان تصنع نوعاً ما من التوازن السياسي للخلاص من حالة الانسداد السياسي التي عطلت مؤسسات الدولة وهذه رسائل واضحة وصريحة من الاتحادية للكتل السياسية ولرئاسة البرلمان مفادها التوقف عن الاستغفال بالمدد الدستورية وعدم الإخضاع لرؤساء الكتل.
ومن بين تبعات الفوضى التوقيتات الدستورية استمرار كل من رئيس الجمهورية وحكومة تصريف الأعمال بمناصبهم دون رقابة برلمانية إذ لا سلطة تشريعية لمجلس النواب الجديد عليهما، ناهيك عن مخاطر تأخر إعداد وإقرار الموازنة السنوية العامة، وكذلك تباطؤ الشروع بالإصلاحات المنتظرة التي كانت السبب الرئيس بالدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة والإتيان بحكومة جديدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { if (document.querySelector("nojq")) { document.querySelector("nojq").addEventListener("click", function() { console.log("Element clicked!"); }); } });