
بغداد/ عراق أوبزيرفر
تعيش “الحاكميّة الشيعية” في العراق لحظة فارقة من تاريخها السياسي، وسط تراكم الخلافات بين مكوناتها الرئيسية، ما جعل قدرتها على اتخاذ قرارات مصيرية أو الحفاظ على وحدة الموقف السياسي تتعرض لاختبار قاسٍ.
وهذه الانقسامات لم تعد مجرد خلافات سريعة بين شخصيات أو أحزاب، بل تحولت إلى ملامح بنيوية تهدد مستقبل النفوذ السياسي للشيعة في العراق.
وتمثل الحاكميّة الشيعية منذ عام 2003 حجر الزاوية في النظام السياسي الجديد، إذ تبوأت موقع القيادة من خلال الحكومات المتعاقبة، مستندة إلى ثقلها العددي والجماهيري وإلى دعم المرجعية الدينية في النجف.
ومع ذلك، فإن الصراعات بين أقطابها – من الدعوة والمجلس الأعلى إلى التيار الصدري ومنظمة بدر وفصائل الحشد – خلقت على الدوام حالة من التصدع الداخلي، سرعان ما كانت تُحتوى عبر توافقات اللحظة أو وساطات إقليمية ودولية.
وما يميز اللحظة الراهنة أن هذه الخلافات لم تعد قابلة للاحتواء بسهولة، بل تحولت إلى أزمة هيكلية مرتبطة بشكل الحكم وتوزيع النفوذ داخل الدولة.
وتنعكس هذه الأزمة بوضوح في غياب مشروع سياسي موحد، وانقسام الصف الشيعي إلى تكتلات متنافسة، بعضها يراهن على دعم إقليمي مباشر، وبعضها الآخر يحاول إعادة صياغة العلاقة مع الولايات المتحدة بما يضمن بقاء العراق في مأمن من الضغوط الخارجية.
وكشف الأمين العام للمؤتمر الوطني آراس حبيب كريم، في تصريحات نارية، عن عمق الأزمة، مشدداً على أن بقاء الحاكميّة الشيعية مرهون باستمرار الحماية الأميركية لأموال العراق في الخارج.
وقال في حوار متلفز إن “الشيعة بحاجة إلى تغيير طريقة التفكير في نمط الحكم، والحاكمية الشيعية ستنتهي بمجرد رفع الحماية الأمريكية عن أموال العراق”، مضيفاً أن “أمريكا موجودة في كل العراق بشكل أو بآخر، وإذا رفضت واشنطن تجديد قانون حماية أموال العراق سيفلس البلد بثانية ونصف”.
وازداد المشهد تعقيداً مع إعلان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، في آذار الماضي، مقاطعة الانتخابات المقبلة. إذ أكد بوضوح إنه “ما دام الفساد موجوداً فلن أشارك في عملية انتخابية عرجاء لا هم لها إلا المصالح والطائفية والعرقية والحزبية”، مؤكداً أنه أمر أنصاره بالامتناع عن التصويت والترشح، وعدّ المشاركة إعانة على الإثم.
وهذا الموقف فجّر موجة مقاطعة واسعة داخل الشارع الصدري، تجلت في نشر لافتات ضخمة تحمل شعار “مقاطعون” في الشوارع، وأعاد فتح النقاش حول مستقبل الحاكميّة الشيعية في ظل غياب أحد أعمدتها الجماهيرية الكبرى.
ووجدت القوى الشيعية نفسها أمام معضلة مركبة؛ فمن جهة، لا يمكن تجاوز حجم التيار الصدري ووزنه الشعبي، ومن جهة أخرى، لا تستطيع هذه القوى الدخول في تفاهمات جدية مع الصدر الذي أعلن موقفه بشكل قاطع.
الداخل.. أخطر تهديد
بدوره، أكد المحلل السياسي عائد الهلالي لـ”عراق أوبزيرفر” أن التهديد الأخطر يأتي من الداخل، لا من الخارج، موضحاً أن الانقسامات بين الصدريين وبقية القوى الشيعية هي ما يضعف القدرة على اتخاذ القرارات المصيرية.
وأضاف أن “مقاطعة التيار الصدري قد يُظن أنها منحت أطرافاً أخرى فرصة لتوسيع نفوذها، لكن الواقع يبين أن تأثيرها على موازين القوى لم يكن جوهرياً، فيما بقيت الانقسامات الداخلية سبباً أساسياً في هشاشة السلطة”.
وأشار الهلالي إلى أن “هذا لا يعني بالضرورة تغيّر منصب رئاسة الوزراء في المرحلة الراهنة، إذ أن الأغلبية العددية تبقى بيد القوى الشيعية، لكن استمرار التشظي يجعل إدارة الحكم أكثر صعوبة وتعقيداً”.
وانعكست هذه الانقسامات على مجمل الملفات الوطنية، من إدارة الدولة إلى التعامل مع التحديات الاقتصادية والأمنية. فالحشد الشعبي – بوصفه أحد أبرز ركائز الحاكميّة – بات ساحة إضافية للصراع بين الأجنحة، حيث يسعى كل طرف لترسيخ نفوذه داخل مؤسسات الدولة الرسمية وشبه الرسمية، وهو ما يفاقم من حالة الازدواجية في القرار الأمني والسياسي.




