
بغداد / عراق اوبزيرفر
في زوايا البيوت العراقية، حيث يُفترض أن يسكن الأمان وتُصان المودة، تتصاعد اليوم أصوات مكتومة لا يسمعها أحد، أنين نساء وأطفال تحولوا إلى ضحايا في معارك لا تُخاض في الشوارع بل خلف الأبواب المغلقة. مشاهد الألم تتكرر كل يوم، لتكشف أن العنف لم يعد طارئًا على المجتمع، بل ظاهرة تنخر في أساس الأسرة العراقية بصمت ثقيل.
فبحسب المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان، تم تسجيل أكثر من 53 ألف حالة عنف أسري خلال سنتين ونصف فقط، أي ما يعادل 58 حالة يومياً، معظمها بين الأزواج. أرقام مرعبة تختصر مأساة اجتماعية آخذة في الاتساع، بينما تستمر مؤسسات الدولة في البحث عن حلول وسط غياب التشريعات الرادعة وتراجع الوعي الأسري.
أرقام مهولة
وأشار المركز في بيان، الأربعاء 1 تشرين الأول 2025، إلى أن “إحصائيات مجلس القضاء الأعلى أظهرت تسجيل 13,857 حالة عنف أسري في النصف الأول من عام 2024، و18,436 حالة في عام 2023، و21,595 حالة في عام 2022″، مضيفاً أن “حالات اعتداء الأزواج على الزوجات شكّلت 75% من مجمل الحالات، واعتداء الزوجات على الأزواج 17%، واعتداء الوالدين على الأبناء 6%، بينما بلغت نسبة العنف ضد كبار السن 2%”.
وأرجع المركز أسباب تصاعد العنف الأسري إلى عوامل أبرزها: “غياب التثقيف الأسري، المشكلات الاقتصادية والعائلية، ضعف الالتزام الديني، سوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، تزايد حالات الخيانة الزوجية، وارتفاع معدلات تعاطي المخدرات”.
المركز أكد أن عام 2024، كان العنف الجسدي الشكل الأكثر شيوعاً من بين أنواع العنف الأسري، تلاه العنف الجنسي ثم اللفظي، وسجلت بغداد أعلى نسبة من الحالات (31%)، فيما جاءت محافظة صلاح الدين بأدنى نسبة (5%) خلال النصف الأول من العام.
ولفت المركز إلى أن “عدد دعاوى العنف الأسري المسجّلة من 1/1/2024 إلى 1/5/2024 بلغ 13,857 دعوى، الغالبية منها عنف بدني”، استناداً لإحصائيات وزارة الداخلية. وبحسب الوزارة، شكل الاعتداء البدني النسبة العليا بين هذه الدعاوى، وكانت حصة الإناث منها 73%، مقابل 27% للذكور.
وقال إنه “من بين هذه الدعاوى، تم خلال أول خمسة أشهر من 2024 إخلاء سبيل 3101 شخصاً بكفالة، وصدرت أحكام بحق 100 شخصاً، وأُفرج عن 1196 منهم، وتمّ الصلح أو الترضي في حوالي 4,400 حالة، وهناك حوالي 1,500 قضية لا تزال تحت الإجراء، و3,550 مراجعة قد تمت معالجتها”.
في هذا السياق، دعا المركز الحكومة والمؤسسات الدينية والتعليمية والفاعلين الاجتماعيين ومنظمات المجتمع المدني إلى إطلاق حملات توعية للحد من مخاطر العنف الأسري على الأسرة والمجتمع، مطالباً البرلمان والحكومة بالإسراع في إقرار قانون مكافحة العنف الأسري.
أرقام لا تكشف الواقع
هذه الأرقام، على ضخامتها، لا تمثل سوى قمة جبل الجليد، إذ أن الكثير من الضحايا لا يبلغون عن الانتهاكات التي يتعرضون لها، بسبب الأعراف الاجتماعية والضغوط العائلية، ما يعني أن الحجم الحقيقي للظاهرة أكبر بكثير مما تكشفه التقارير الرسمية.
منظمات دولية مثل “منظمة العفو الدولية” و”هيومن رايتس ووتش” تؤكد في تقاريرها أن الأرقام الحقيقية أعلى بكثير، مشيرة إلى وجود ثقافة إفلات من العقاب، وعوائق مجتمعية تحول دون وصول الضحايا إلى العدالة.
أزمة تتفاقم داخل البيوت
في هذا الصدد، تقول الباحثة الاجتماعية نضال الباوي لـ”عراق أوبزيرفر”: “الأرقام التي كشفها المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان مقلقة للغاية، فهي لا تعبّر فقط عن تصاعد في حالات العنف الأسري، بل عن أزمة اجتماعية تتفاقم بصمت داخل البيوت العراقية. إن تسجيل أكثر من 53 ألف حالة خلال أقل من ثلاث سنوات يعني أننا أمام ظاهرة وليست مجرد حوادث فردية”.
وتضيف الباوي أن 92% من هذه الحالات تقع بين الأزواج، ما يعكس هشاشة البنية الأسرية وتراجع ثقافة الحوار داخل الأسرة العراقية، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية والاجتماعية.
وتؤكد أن غياب التشريعات الرادعة، وضعف الوعي الأسري، وقلة مراكز الإرشاد والدعم النفسي، كلها عوامل تسهم في استمرار دوامة العنف.
ودعت الباحثة، في ختام حديثها لـ”عراق اوبزيرفر”، الحكومة والمؤسسات المعنية إلى الإسراع في تشريع قانون حماية الأسرة، وتفعيل دور وحدات الدعم الاجتماعي في وزارة الداخلية، فضلاً عن إدخال برامج توعية وإرشاد نفسي في المدارس والجامعات لبناء جيل يرفض العنف ويؤمن بالتفاهم داخل الأسرة.



