
بغداد/ عراق أوبزيرفر
دخل ملف التجاوزات السكنية في العراق مرحلة جديدة من الجدل بعد إعلان بلدية بغداد انطلاق إجراءات تمليك المتجاوزين على الأراضي السكنية التابعة للبلديات، تطبيقاً لقرار مجلس الوزراء رقم (20 لسنة 2025) الذي تم تعديله مؤخراً ليمنح المواطنين تسهيلات أوسع، في خطوة اعتبرتها الحكومة حلاً عملياً لمعالجة أزمة السكن، بينما يراها منتقدون تشجيعاً على العشوائيات وتهديداً لما تبقى من المساحات الخضراء داخل المدن.
أزمة العشوائيات في العراق ليست جديدة، إذ تفاقمت بعد 2003 مع ضعف الدولة وتزايد النمو السكاني وغياب مشاريع إسكان كافية. وتشير بيانات رسمية إلى وجود أكثر من 4 آلاف موقع عشوائي يقطنها أكثر من 3 ملايين نسمة. وقد سببت هذه الظاهرة ضغطاً هائلاً على الخدمات، وأدت إلى فقدان مساحات خضراء وخدمية كان يفترض أن تكون متنفسات للمدن، ما جعلها أحد أعقد الملفات أمام الحكومات المتعاقبة.
وفي العاشر من آب 2025، صوّت مجلس الوزراء على تعديل قراره رقم (20 لسنة 2025)، ليشمل المتجاوزين الذين شيدوا مساكن قبل 10 كانون الأول 2024. وجاء التعديل متضمناً الموافقة على تقسيط بدل البيع لمدة 20 عاماً للعقارات المملوكة للبلديات والمفرزة أصولياً، وإلغاء شرط الاستفادة السابقة، إضافة إلى إطفاء مبلغ “أجر المثل” باعتباره ديناً حكومياً.
وبحسب المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء، فإن هذه التعديلات جاءت استجابة لمطالبات شعبية ونيابية لمعالجة واحدة من أعقد المشكلات العمرانية والاجتماعية في البلاد.
حل عملي للأزمة
مدير عام بلدية بغداد، ياسر القريشي، أكد أن الإجراءات بدأت فعلياً عبر استقبال طلبات المواطنين المتجاوزين على الأراضي المفرزة أصولياً والواقعة ضمن التصميم الأساسي للمدن. وقال لـ”عراق أوبزيرفر”، إن “القرار نص على بيع الأراضي بسعرها الحقيقي وفق القيمة الرائجة في السوق، على أن يدفع المواطن 10% من قيمتها مقدماً ويقسط الباقي على مدى 20 عاماً”.
وأوضح القريشي أن “فترة التقديم تمتد 180 يوم عمل، فيما تتولى لجان التقييم تحديد الأسعار بحسب المناطق ورفعها لاحقاً إلى بلديات بغداد والمحافظات لاعتمادها”. وأشار إلى أن “القرار ألغى شرط أجر المثل وشرط عدم الاستفادة السابقة”، وهو ما وصفه بأنه “تخفيف مهم عن المواطنين وتسهيل للإجراءات”.
وأكد أن “هذه الخطوة ستنظم آلاف الأحياء السكنية المنتشرة في بغداد والمحافظات وتوفر إيرادات مالية للدولة يمكن استثمارها في تحسين الخدمات”.
تشويه لملامح الدولة
على الجانب الآخر، انتقد المهندس الاستشاري علي شربة القرار بشدة، مؤكداً أنه من ضمن “قرارات بائسة تخفي ملامح الدولة تدريجياً وتشجع على استمرار ظاهرة العشوائيات”.
وقال لـ”عراق أوبزيرفر”، إن “أغلب هذه العشوائيات مشيدة في مواقع ليست مخصصة للسكن بل لفضاءات خضراء ومتنفسات عامة، وبالتالي فإن تمليكها للمتجاوزين بدل تعويضهم بأماكن بديلة يمثل طمراً متعمداً للبيئة وضرباً لما تبقى من المساحات الخضراء في المدن”.
وأضاف أن “المدن العراقية تعاني أصلاً من ارتفاع درجات الحرارة والتلوث والاختناقات البيئية، وهذه المساحات الخضراء المحدودة كان يفترض أن تكون وسيلة لتلطيف المناخ وتقليل الأعباء الصحية عن المواطنين، لا أن تُحوّل إلى مساكن عشوائية تقننها الدولة لاحقاً”. وأكد أن “المعالجة السليمة لا تكون عبر تشجيع البناء غير المنظم بل من خلال مشاريع إسكان وطنية منظمة توفر بدائل حقيقية وتعيد الاعتبار للتخطيط الحضري”.
ولفت إلى أن “تثبيت العشوائيات عبر التمليك لن يحل أزمة السكن، بل سيخلق مشكلة مضاعفة، لأن الرسالة التي يتلقاها المواطن هي أن تجاوزك اليوم سيصبح ملكاً غداً، وهو ما يعني عملياً تشريع الفوضى العمرانية”. وختم بالقول إن “الحكومة اختارت الحل الأسهل مالياً وإدارياً، لكنها في المقابل تضحي بالبيئة وبالوجه الحضري للعراق على المدى الطويل”.





