
بغداد/ عراق أوبزيرفر
عاد الجدل السياسي في العراق إلى الواجهة حول مصير هيئة المساءلة والعدالة، بعد أن شملت قراراتها الأخيرة استبعاد عدد من المرشحين من السباق الانتخابي، ما أثار موجة من المطالبات بإنهاء عمل الهيئة وتحويل ملفاتها إلى القضاء، في مقابل تمسك قوى سياسية نافذة، أبرزها ائتلاف “دولة القانون” بزعامة نوري المالكي، باستمرار عملها.
الهيئة، التي تأسست عام 2008 خلفاً لهيئة اجتثاث البعث التي أنشئت في 2003 بقرار من سلطة الائتلاف المؤقتة، جاءت ضمن منظومة العدالة الانتقالية التي هدفت إلى منع حزب البعث المنحل من العودة إلى العمل السياسي أو الإداري في مؤسسات الدولة. ومنذ إنشائها، واجهت الهيئة جدلاً واسعاً بسبب اتهامات باستخدامها كأداة سياسية لاستبعاد الخصوم، خصوصاً في مواسم الانتخابات، مقابل من يراها ضرورة لحماية العملية السياسية من “التلوث البعثي”.
حلّ الهيئة كان جزءاً من الاتفاق السياسي الذي سبق تشكيل حكومة محمد شياع السوداني عام 2022، إذ نصت ورقة الاتفاق، التي أُدرجت في المنهاج الوزاري، على إنهاء عملها خلال 30 يوماً من تشكيل الحكومة. وفي نهاية ذلك العام، قدمت الحكومة طلباً رسمياً لنقل ملفات الهيئة إلى القضاء، لكن الخطوة جوبهت برفض رئيس الهيئة ودعم قوى من “الإطار التنسيقي”.
وعلى الصعيد السياسي، تميل القوى السنية ومعظم القوى الكردية إلى دعم إنهاء عمل الهيئة، معتبرة أن استمرارها بعد عقدين من التغيير السياسي لم يعد ضرورياً، بل يعيق عملية المصالحة الوطنية ويؤثر على التنافس الانتخابي. في المقابل، تتمسك قوى من “الإطار التنسيقي” وفي مقدمتها “دولة القانون” ببقاء الهيئة، بدعوى الحفاظ على المسار الديمقراطي ومنع عودة البعث.
على الجانب المعارض لحل الهيئة، يواصل المالكي التحذير من “عودة البعثيين” إلى المشهد السياسي، معتبراً أن الهيئة “مؤسسة دستورية” مهمتها منع حزب البعث المحظور من التغلغل في مؤسسات الدولة، وأن أي تهاون في عملها يشكل تهديداً مباشراً للديمقراطية. ويشدد على ضرورة دعمها وتمكينها من أداء مهامها دون ضغوط أو عراقيل، محذراً من أن التخلي عن دورها يعني “فتح الباب أمام الفكر البعثي” لاختراق الدولة.
تنفيذ الاتفاق السياسي
من جهته، أكد النائب أحمد الجبوري أنه يتابع باهتمام قرار الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة القاضي باستبعاد عدد من مرشحيه في حزب (مدنيون)، وقال إن “هؤلاء من الشخصيات الوطنية التي دعمت النظام السياسي الحالي وخدمت العراق الجديد في أصعب المراحل، ومن بينهم ضباط وقضاة وأساتذة جامعات وتربويون”.
وأشار إلى أن “احترامه للقوانين والإجراءات الدستورية لا يمنع من الاحتفاظ بالحق القانوني للطعن أمام القضاء العادل”. داعياً إلى “إنهاء هذا الملف الذي يمثل جزءاً من المرحلة الانتقالية، معتبراً أن العراق يعيش اليوم حالة من الاستقرار السياسي والاجتماعي والأمني تسمح بإغلاقه”.
وحمّل النائب عن محافظة نينوى “الأطراف السنية الرئيسية مسؤولية عدم المطالبة بتنفيذ الاتفاق السياسي الذي تشكلت الحكومة بموجبه”، مطالباً مجلس النواب والقوى السياسية السنية بـ”عدم عقد أي جلسة دون إدراج إنهاء عمل الهيئة ضمن جدول الأعمال تنفيذاً لما صوّت عليه البرلمان سابقا”.
اصبحت أداة سياسية
بدوره، أوضح الباحث السياسي سيف السعدي أن “قضية الاستبعاد من الانتخابات تنقسم إلى شقين؛ الأول قانوني يتعلق بما نص عليه قانون رقم 12 لسنة 2018 المعدل، ولا سيما المادة 7/ثالثاً التي تشترط عدم صدور حكم بجناية أو جنحة مخلة بالشرف، إضافة إلى مواد قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 من المادة 331 إلى 340″،
ويضيف لـ”عراق أوبزيرفر”، أن “الشق الثاني سياسي، حيث يرى أن الإجراءات الحالية لا تخلو من دوافع مرتبطة بهيئة المساءلة والعدالة، وهي قوانين عدالة انتقالية لم يعد من المنطقي استمرار العمل بها بعد 22 عاماً على التغيير”، مبيناً أن “المنهاج الحكومي الذي قدمه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني نص صراحة على حل الهيئة خلال 30 يوماً من تشكيل الحكومة”، معتبراً أن “استمرارها يمثل حلقة زائدة في ظل وجود قوانين تحظر حزب البعث بالفعل”
وانتقد ما وصفه بالخطاب “العدائي والانتخابي” الذي يستخدم لتبرير الاستبعادات، مؤكداً أن “القرارات الأخيرة شملت مرشحين من جبهة الإعمار والتنمية بينما لم تطل شخصيات متنفذة”، داعياً إلى “إنهاء عمل الهيئة مع إحالة ملفاتها إلى الادعاء العام والدائرة القانونية لمجلس الوزراء، مع ضمان حق الاعتراض أمام الهيئة التمييزية القضائية، التزاماً بما ورد في المنهاج الوزاري وورقة الاتفاق السياسي”.




