
بغداد/ عراق أوبزيرفر
خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، شهد المشهد السياسي والأمني العراقي تحولاً لافتاً في الخطاب الصادر عن عدد من قادة الفصائل المسلحة وقوى سياسية نافذة، تمثل في تقاطع غير مسبوق حول ضرورة حصر السلاح بيد الدولة وترسيخ هيبتها، بعد سنوات طويلة كان فيها هذا الملف من المحرّمات السياسية التي لا يُسمح بالاقتراب منها علناً
هذا التحول السريع، الذي خرج إلى العلن عبر تصريحات وتدوينات متزامنة، أعاد فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في العراق، في توقيت بالغ الدقة يتزامن مع مفاوضات تشكيل حكومة جديدة، وضغوط دولية متصاعدة، ورسائل أميركية مباشرة بشأن مستقبل العلاقة مع القوى المسلحة المنخرطة في العمل السياسي
قراءة التوقيت تشير إلى أن هذا الخطاب لم يأتِ بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي المتغيّر، فواشنطن كثّفت خلال الأسابيع الماضية إشاراتها إلى صعوبة التعامل مع جهات أو شخصيات مدرجة على لوائح العقوبات، وهو ما أكده وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين في وقت سابق، إضافة إلى عقوبات أميركية جديدة طالت شخصيات وشركات عراقية، بالتوازي مع تشديد الخطاب تجاه الفصائل المقربة من إيران
وضمن هذا المناخ، بدأت مواقف جديدة تتبلور من داخل الفصائل نفسها، حيث كان أولها ما صدر عن شبل الزيدي، الأمين العام لـكتائب الإمام علي، الذي تحدث عن مسؤولية القوى الحشدية في الانتقال إلى منطق الدولة، مؤكداً أن الثقل السياسي الذي حققته هذه القوى يفرض عليها الالتزام بالأطر الدستورية والعمل المؤسسي، وحصر السلاح بيد الدولة بوصفه مدخلاً لتعزيز وحدة القرار الأمني
وبعد ساعات قليلة، لحق بهذا الخطاب الأمين العام لـأنصار الله الأوفياء حيدر الغراوي، الذي أعلن دعمه الصريح لحصر السلاح بيد الدولة، معتبراً أن التمثيل السياسي الواسع للفصائل يشكّل تفويضاً لإدارة شؤون الدولة وفق منطق المؤسسات، وأن وحدة القرار الأمني يجب أن تبقى بيد القائد العام للقوات المسلحة والمؤسسات الرسمية
هذا المسار لم يتوقف عند هذين الموقفين، إذ أعلن زعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، في كلمة علنية، أن حركته باتت جزءاً من الدولة وتتحمل مسؤولياتها، مؤكداً الإيمان بحصر السلاح بيد الدولة والاستعداد لاتخاذ خطوات عملية لتحقيق ذلك، في تصريح عُدّ من أكثر المواقف حساسية نظراً لثقل العصائب العسكري والسياسي وإدراجها على لوائح الإرهاب الأميركية
سياسياً، جاء موقف زعيم تيار الحكمة الوطني عمار الحكيم ليمنح هذا الخطاب بعداً أوسع، إذ ربط ملف السلاح مباشرة بهيبة الدولة والدستور، مؤكداً رفض استخدامه أداة للضغط على صناع القرار، ومشدداً على أن أي مسار في هذا الاتجاه يجب أن يكون بإرادة عراقية خالصة لا نتيجة إملاءات خارجية، مع دعوته إلى الإسراع بتشكيل حكومة قوية قادرة على اتخاذ قرارات حاسمة
ويرى مراقبون أن الفصائل التي حققت ثقلاً برلمانياً في الانتخابات الأخيرة باتت أمام معادلة معقّدة، فطموحاتها في المشاركة الفاعلة في الحكومة المقبلة اصطدمت بتحفظات أميركية ودولية واضحة، الأمر الذي دفعها إلى إعادة صياغة خطابها بما يقلل من كلفة المواجهة السياسية والاقتصادية المحتملة
وفي هذا السياق، قال الباحث في الشأن السياسي خالد الغريباوي إن التصريحات الأخيرة لبعض قادة الفصائل المسلحة بشأن القبول المبدئي بحصر السلاح بيد الدولة تعكس تحولاً في الخطاب أكثر مما تشير بالضرورة إلى تحول في البنية أو الوظيفة، موضحاً أن هذه اللغة التي كانت حتى وقت قريب خارج نطاق الممكن السياسي برزت في لحظة إقليمية تتغيّر فيها قواعد الضبط والسيادة، ما يجعلها جزءاً من إعادة التموضع لا إعلاناً عن نهاية الدور المسلح.
وأضاف لـ”عراق أوبزيرفر” أن خطاب حصر السلاح يعكس إدارة الفصائل للمخاطر أكثر مما يعكس تفكيكها، مؤكداً أن العراق يقف اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما، إما ترسيخ دولة سيادية بقرار أمني واحد، أو الاستمرار في التعايش الهش مع واقع السلاح خارج الدولة، وهو خيار بات الإقليم غير قادر على تحمّل تبعاته”.
وبين الخطاب المتقدم والواقع المعقّد، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه المواقف ستتحول إلى مسارات مؤسسية واضحة، أم أنها مجرد محاولة لشراء الوقت في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، في بلد لم يعد يحتمل إدارة الأزمات بالحلول المؤقتة



