هدوء ما قبل العاصفة.. الملف الكوردي يتصدر “تشابك” ما بعد الاقتراع

بغداد/ عراق أوبزيرفر
تفتح نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة صفحة جديدة في “الملف الكوردي” وعلاقته ببغداد، بعد أن نجح الحزبان الرئيسيان في إقليم كوردستان، الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، في رفع رصيدهما الانتخابي مقارنة بدورة 2021، لكنّ خريطة المقاعد النهائية، وآلية توزيعها وفق نظام سانت ليغو، تبقي تمثيل الكورد في خانة “الشريك المهم” لا “صانع الحكومة الأوحد”، وسط أزمات متراكمة مع المركز حول الموازنة والنفط ورواتب الموظفين والبيشمركة والمناطق المتنازع عليها.
وبحسب النتائج الأولية، حصل الحزب الديمقراطي الكوردستاني على 30 مقعداً نيابياً، بأكثر من مليون وسبعة وسبعين ألف صوت تقريباً، متجاوزاً عتبة المليون كأقوى قوة كوردية من حيث عدد الأصوات، فيما سجّل الاتحاد الوطني الكوردستاني قفزة لافتة بعد أن ارتفع رصيده من نحو ٣٦٨ ألف صوت في انتخابات ٢٠٢١ إلى أكثر من ٦٢٦ ألف صوت في انتخابات ٢٠٢٥، مع زيادة في عدد مقاعده من ١٧ إلى ١٨ مقعداً، وسط توقعات بحصوله على مقاعد إضافية بعد حسم الطعون والشكاوى، ما يعني أن الكتلة الكوردية بنسختها الجديدة تدخل بغداد بأوراق تفاوضية أوسع عدداً، لكنها محكومة أيضاً بتعقيدات المشهد الشيعي والسني وآليات توزيع المقاعد بين المحافظات.
وعلى مستوى الجغرافيا الانتخابية داخل الإقليم، كرّس الاتحاد الوطني الكوردستاني حضوره في السليمانية وكركوك بوصفه القوة الأولى هناك، بعد أن ضاعف تقريباً عدد أصواته في المحافظتين مقارنة بالانتخابات السابقة، بينما حافظ الحزب الديمقراطي الكوردستاني على صدارته في دهوك وأربيل.
كما حقق البارتي اختراقات مهمة في نينوى، حيث جاءت نتائجه في الموصل ضمن المراكز المتقدمة، ما يؤشر استمرار الانقسام التقليدي في الخريطة الكوردية بين محور أربيل ومحور السليمانية، لكنه هذه المرة بانزياحات رقمية أكبر في اتجاه توسيع الحصص داخل البرلمان الاتحادي.
وهذا التوزع في القوة بين “الديمقراطي” و”الاتحاد” يمنح الكورد كتلتين كبيرتين بدلاً من كتلة واحدة مهيمنة، الأمر الذي يفتح الباب أمام سيناريوهين في بغداد، الأول أن يذهب الحزبان إلى طاولة التفاوض بموقف موحّد إزاء الملفات العالقة مع الحكومة الاتحادية، والثاني أن تستثمر القوى الشيعية والسنية التباينات بينهما لإبرام تفاهمات مجزأة مع كل طرف على حدة، في ملفات مثل الحقائب الوزارية، والمناصب السيادية، وحصة الإقليم من الموازنة، ومصير المناطق المتنازع عليها مثل كركوك وسنجار ومخمور.
بدوره قال عضو الحزب الديمقراطي الكوردستاني محمد زنكنة إن “المرحلة التي تلي الانتخابات لن تكون سهلة للكورد ولا لباقي القوى، فنحن أمام فترة هدوء ما قبل العاصفة، لأن كل الأحزاب، بما فيها القوى الكوردية، ستسعى إلى تثبيت حضورها في الحكومة المقبلة، وسط شعور عام بأن المشاكل الحقيقية لم تبدأ بعد”.
وأضاف زنكنة لـ”عراق أوبزيرفر” أن “الحزب الديمقراطي الكوردستاني حصد أكثر من مليون صوت لكنه لا يستطيع، وفق قواعد اللعبة الحالية، أن يترجم هذا الرقم إلى حق دستوري في تشكيل الحكومة، لأن توزيع المقاعد وسعر الكرسي يختلف بين محافظة وأخرى، وهذا يولّد لدى الشارع الكوردي إحساساً بأن وزن أصواته ليس متساوياً مع أصوات المحافظات الأخرى، الأمر الذي سيغذي بدوره خطاباً أكثر تشدداً في المفاوضات مع بغداد”.
أرقام اليكتي تتصاعد
في المقابل، تشير قراءات مراقبين إلى أن تحسن أرقام الاتحاد الوطني الكوردستاني خارج السليمانية، ولا سيما في كركوك وأربيل ونينوى، يمنحه هامشاً إضافياً في التفاوض مع المركز، ويفتح أمامه إمكانية بناء تحالفات أوسع مع قوى شيعية وسنية تنظر إليه كعنوان للتوازن داخل الساحة الكوردية، الأمر الذي قد ينعكس على ملف إدارة كركوك، وتقاسم المناصب المحلية والأمنية فيها، وعلى مستقبل وجود قوات البيشمركة في بعض مناطق السهول والقرى المختلطة.
وتتزامن هذه النتائج مع استمرار ملفات ثقيلة بين أربيل وبغداد لم تُحسم جذرياً خلال الحكومات السابقة، من بينها آليات تسليم نفط الإقليم وموارده غير النفطية إلى الخزينة الاتحادية، مقابل ضمان رواتب الموظفين والمتقاعدين والبيشمركة، فضلاً عن القرارات القضائية الصادرة عن المحكمة الاتحادية بشأن عقود النفط، وشرعية بعض الاتفاقات السابقة، وهي ملفات ينتظر أن تعود بقوة إلى طاولة التفاوض، هذه المرة وسط تركيبة برلمانية يغيب عنها التيار الصدري، وتتعزز فيها أوزان قوى الإطار التنسيقي والقوى السنية التقليدية.
ويرى مختصون أن موقع الكورد في معادلة تشكيل الحكومة المقبلة سيتحدد بقدر قدرتهم على توحيد الموقف التفاوضي في القضايا الاستراتيجية، وعدم تحويل الخلافات الداخلية إلى نقطة ارتكاز لابتزازهم سياسياً من قبل الأطراف الأخرى.



